آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-08:28م

زفاف بوشاح الحزن

الإثنين - 15 يونيو 2026 - الساعة 06:30 م
حسين سالم السليماني


"بحور المآسي"(3)

انقضى النهار، وأرخى الليل سدوله الثقيلة على تلك القرية الرابضة بين فكي القهر والصبر. هناك، حيث تلتئم الجراح على مضض، اجتمع القوم في "المأتم"، وتلاشت الخصومات والضغائن أمام جلال الموت. تحلقوا حول موائد "العصيد" واللحم، لا شبعاً، بل لتقاسم لقمة الوفاء لراحل غادرهم جسداً وبقي فيهم سيرة.

كان صوت القارئ ينساب في الأفق، يرتل آيات الذكر الحكيم، فينسكِب السكون في الأرواح القلقة. والشيخ الوافد من بعيد، الغريب الذي جاء يحمل مواعظ السماء، كان يسكب في آذانهم كلمات عن الزوال والبقاء، في رحلة وعظ تمتد لثلاثة أيام، يغسل فيها القلوب بماء الحكمة قبل أن يودعهم بعهد غليظ: أن الملتقى بعد عام، في "عشّاء" الذكرى السنوية، حيث تراق الدماء نذراً لروح الفقيد.


بينما كان الناس ينتظرون انقضاء أيام العزاء ليعودوا إلى روتين حياتهم الرتيب، انتصب "عمر" كرمح لا ينكسر، وأعلن بلسانٍ يغالبه الشوق ويهزمه الإصرار "لن يؤجل الحزن قدراً خطّه أبي.. زفافي سيكون في موعده، تماماً كما أراد الغائب الحاضر.. خلال أسبوع من الآن."


مرّ الأسبوع كلمح البصر، وتأهبت القرية لزفاف لم تشهد له ردهات الذاكرة مثيلاً؛ زفاف تمتزج فيه رائحة البخور برائحة الدموع، وتتداخل فيه أهازيج الفرح بنحيب الفقد.


لم تكن مراسيم الزفاف بذخاً ولا ترفاً، بل كانت طقوساً عتيقة مغرقة في الرمزية. اصطف الرجال في حلقات مهيبة، تشق حناجرهم عتمة الليل بنشيد يتوارثه الألم:

"وحنّا نشرنا نشيرة.. وطابت كل نيّة.. ويالرحمن فك العقد.. ديهيه عجية" كان النشيد استجداء للسماء أن تحل عقد النحس عن هذه الأرواح المكلومة.

أما النساء، فكنّ كظلال حزينة؛ لا حنّاء تزين الأكفّ، ولا "ياسين" يصدح بالبهجة. ترقبن وصول العروس وهي تهبط من فوق "هودجها" المعتلي صهوة البعير، كأنها ملكة تُساق إلى قدر مجهول. استقبلنها ليفرشن لها "البجّاد" المنسوج من وبر الماعز الخشن، ووضعن بجانبها أثوابها الثلاثة القليلة كأحلامها، في غمار حياة لا تعترف بالوفرة.


أقبل "عمر"، العريس الذي اختصرت ملامحه شقاء أجيال. لم يكن يرتدي الحرير، بل "فوطة" وحيدة صُبغت بعرق الصبر، وعمامة غارقة في زيت السمسم، بينما بقي صدره وبطنه عاريين أمام لفح الهواجس ونظرات العيون.

وعند عتبة الدخول، حدث ما اهتزت له القلوب؛ أقبلت الأم، تلك التي لم يجف مآقِيها بعد، فاستقبلت فلذة كبدها لا بزغرودة النصر، بل بشهقة انكسار وبكاء مرير.

لم يتمالك عمر نفسه، فانفجر بركان الحزن الكامن في صدره، وبكى بكاء الطفل الذي ضاع من يد أبيه في زحام العمر.

سرت العدوى كالنار في الهشيم: بكت الأم.. بكى عمر.. بكى النسوة والرجال.. وحتى العروس خلف خدرها، شاركتهم هذا النحيب الجماعي. لم تكن ليلة زفاف، بل كانت تظاهرة كونية للوجع الإنساني، ليلة حزينة بامتياز، تبرهن أن الفرح في هذه الأرض لا يولد إلا من رحم الدموع، وأن العرس قد يكون أحياناً.. أجمل صيغة للرثاء.

..................•...............