لَقَدْ تَكَسَّرَتْ كُلُّ أَقْلَامِي، وَنَفِدَ بَحْرُ مِدَادِي، وَتَهَشَّمَتْ مَكَاتِبِي، وَضَاعَتْ بَيْنَ السُّطُورِ آهَاتِي! مَا سِرُّ هَذِهِ العَرَبِيَّةِ السَّاحِرَةِ؟ لَمْ تُوقِظْنِي إِلَّا أَنَا، لِأَبْكِيَ عَلَى أَطْلَالِ وَطَنٍ يَتَمَنَّى أَنْ يَعُودَ وَلَوْ كَلَّفَهُ ذَلِكَ بَاهِظَ الثَّمَنِ.
اسْتَوْقَفَتْنِي كَلِمَاتِي المـُمَزَّقَةُ الَّتِي تَهَشَّمَتْ مِنْ قُوَّةِ المـَعْنَى، وَحُرُوفِيَ الطَّائِشَةُ الَّتِي تَتَعَذَّبُ عَلَى وَرَقِي دُونَ نَفْعٍ وَلَا جَدْوَى، وَكَأَنَّكَ مُلْكِي أَنَا.. فَحَسْبُكَ يَا وَطَنُ!
---
يَا وَطَنِي المـَذْبُوحَ.. لَسْتُ أَنَا، وَلَكِنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلَكَ ذِئَابٌ، وَمَخَالِبُ الغَدْرِ لَمْ تَسْتَثْنِ أَحَدَاً.
رَحَلَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ هَمَّكَ وَالعَنَاءَ، فَهَلْ يَا تُرَى هُمْ عَائِدُونَ؟ مَتَى؟ وَكَيْفَ؟ وَأَيْنَ؟
بَرَاعَتِي بِالغَزَلِ عَلَى الحُرُوفِ وَتَرَانِيمِ وَتَرِي السَّكْرَانِ تُغَنِّي لَكَ أَجْمَلَ نَشِيدٍ، وَلَا أَمْلِكُ إِلَّا العَزْفَ عَلَى حُرُوفٍ مُهَشَّمَةٍ أَخَذَ مِنْهَا العُمَلَاءُ مَا أَخَذُوا.. لِتَعُودَ رِجَالُكَ مِنْ جَدِيدٍ، لِأَكْتُبَ بِيَرَاعٍ مِنْ حَدِيدٍ لَكَ أَجْمَلَ نَشِيدٍ.
---
أُسِرْتُ وَأَنَا أَكْتُبُ، نُفِيتُ وَأَنَا أَكْتُبُ، كَلَّتْ يَدَايَ وَضَاقَتْ أَحْلَامِي وَأَنَا أَكْتُبُ، وَلَكِنَّ خَوَاطِرِيَ العَذْرَاءَ يَفُلُّ مِنْهَا الحَدِيدُ، أَبَتْ إِلَّا أَنْ لَا تَمُوتَ، وَلَمْ يَبْقَ لَكَ إِلَّا يَرَاعِي، وَأَنَا، وَبَقَايَا عَبِيدٍ!
سَيَعُودُ الرِّجَالُ.. حُلْمٌ طَالَ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ حَانَ الوِصَالُ لِعَوْدَتِكَ يَا وَطَنُ. سَيَعُودُونَ حَتْمَاً يَا وَطَنُ، وَسَيَعُودُ عَرْشُ بِلْقِيسَ وَسَدُّ مَأْرِبَ، وَسَيَعُودُ ذُو يَزَنَ.. وَسَيَعُودُ ذُو يَزَنَ!