في وطن يفيض جراحاً وتثقله منغصات العيش، تنبثق الروح اليمنية لتقول للدنيا بأسرها:«نحن شعب لا يموت شغفه».
هنا، حيث تشتد قسوة الظروف وتضيق سبل الحياة، يجد اليمني في محراب الساحرة المستديرة متسعاً لالتقاط الأنفاس، وملاذاً آمناً يتحدى به شظف العيش، محولاً شاشات كأس العالم إلى مساحة ضوء تقهر عتمة الواقع، في مشهد بليغ يعكس تطلعاً أسطورياً للحياة، وعناداً جميلاً يرفض الانكسار.
إن هذه اللهفة اليمانية لمتابعة المونديال تعتبر وثيقة إدانة لكل هذا الخراب، ورسالة بالغة الرمزية ترسم الملامح الحقيقية لإنسان هذا الوطن، إنسان لا يطلب المستحيل ولا يبكي رفاهية مطلقة مفقودة، بقدر ما يتشبث بأبسط حقوقه الآدمية في أن يعيش كبقية خلق الله، محاطاً بالخدمات الأساسية وكرامة العيش الطبيعي.
خلف هذا الاهتمام اليمني بمتابعة أحداث المونديال العالمي، يكمن بحث مضنٍ عن «حبّة مهدئ» تفصل المواطن المطحون عن أخبار الحروب، ومآسي الثارات، وصعوبة المعيشة، وكل الكوابيس التي تحاصره من كل الجهات ، وكأن لسان حاله يقول: سأقتنص فرحتي من فم المعاناة، وأصنع من المونديال واحة لنسيان هذا الوجع الممتد.
ومن عمق هذه اللوحة الإنسانية الصابرة، نسوقها نصيحة صادقة وصرخة عتاب مريرة، نضعها على طاولة الساسة اليمنيين، ونبرق بها إلى القوى الإقليمية والدولية العابثة بالملف اليمني: التفتوا قليلاً إلى هذا الشعب الذي يفيض بحب الحياة، امنحوه قدراً من الإنصاف، وأعيدوا له حقوقه البسيطة المنهوبة، احرسوا يومياته بالخدمات، وارفعوا أيديكم عن هذا العبث المستمر، دعونا نعيش حياتنا الطبيعية دون منغصات.. لسنا نطمع في رفاهيتكم، فقط اتركونا نعيش بسلام، وكثر الله خيركم.