كيف تُسحق حضارات الشعوب في عقد من الزمان؟
لا تحتاج الجيوش الغازية إلى ترسانة عسكرية ضخمة أو قنابل ذكية لتدمير أمة ما وإعادتها عقوداً إلى الوراء؛ فالدمار الحقيقي والنهائي يبدأ من الداخل، وتحديداً حين تُستهدف الركائز غير المرئية التي تُبنى عليها المجتمعات.
إن هندسة الهدم الفكري والقيمي كفيلة بإسقاط أعرق الحضارات في غضون عقد واحد من الزمان، وذلك عبر تفعيل استراتيجية خبيثة تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية:
*هدم الأسرة، وإسقاط التعليم، وتغييب القدوة.*
أولاً: *تفخيخ المحضن الأول.. تغييب الأم.*
البداية دائماً تكون من نواة المجتمع؛ الأسرة. ولكي يتم تفكيك هذه البنية الإستراتيجية، يجري التركيز على "الأم" باعتبارها صمام الأمان والتربية الفكرية والأخلاقية الأولى.
تعتمد خطة الهدم هنا على صناعة هزيمة نفسية للمرأة، من خلال شيطنة وتشويه دورها الطبيعي والأصيل، وجعلها تشعر بالخجل والمهانة من وصفها "ربة بيت".
حين يُصوَّر هذا الدور المحوري على أنه مرادف للتخلف والتبعية، وتُدفع الأم الواعية للانسحاب من ميدان بناء الجيل، يُترك النشء بلا بوصلة وبلا رعاية عاطفية وقيمية متزنة.
ثانياً:*اغتيال الوعي.. إهانة المعلم.*
إذا نجت الأسرة جزئياً، يأتي الدور على خط الدفاع الثاني وهو "التعليم".
وتدمير المنظومة التعليمية لا يتطلب إحراق المدارس بقدر ما يتطلب "اغتيال مكانة المعلم".
تُشن حروب ممنهجة لتقليل القيمة الاجتماعية والمادية للمعلم، وإظهاره بمظهر العاجز والمهمش في المجتمع.
وعندما يصل الطالب إلى مرحلة "احتقار معلمه" والاستخفاف به، تسقط هيبة المعرفة تلقائياً، ويتحول التعليم من رسالة مقدسة لبناء العقول إلى مجرد روتين باهت، وبذلك نضمن خروج أجيال مفرغة فكرياً وسهلة التوجيه والإنقياد.
ثالثاً:*فراغ القيادة.. إسقاط القدوة والرموز.*
الخطوة الثالثة والأخيرة لضمان الإغلاق التام على وعي المجتمع هي "تصفية الرموز فكرياً".
عندما يبحث الشباب عن نماذج يُحتذى بها، يجب ألا يجدوا أحداً.
يتم ذلك عبر حملات الطعن الممنهج والتشكيك المستمر في العلماء، المفكرين، والمصلحين. يُسفَّه دورهم، وتُشوه مقاصدهم، وتُختلق حولهم الأكاذيب حتى يفقد الشارع ثقته فيهم.
وإذا رُفع الغطاء عن هؤلاء القادة الفكريين، سقطت القدوة، ولم يعد هناك من يُسمع صوته أو يُهتدى برأيه.
*الواقع المرير: هل هذا هو حالنا اليوم؟*
حين تجتمع هذه العوامل الثلاثة معاً: *تغيب الأم الواعية، ويُحتقر المعلم المخلص، وتُسحق القدوة المرشدة* يبرز السؤال الأخطر والملحّ: *من يربي النشء على القيم؟*
إن النظر بتمعن في واقعنا المعاش اليوم، وبشكل أخص في الساحة اليمنية التي تعيش مخاضاً عسيراً وصراعات مريرة، يضعنا أمام مرآة الحقيقة الصادمة.
أليس هذا التمزيق الممنهج لنسيجنا الأسري، وهذا التجهيل المتعمد لأجيالنا، وهذا الغياب القسري لرجالات العلم والفكر، هو بالضبط ما نكابده ونعيشه اليوم في اليمن؟!
*إنها صرخة تحذير قبل فوات الأوان؛ فاستعادة الحضارة تبدأ من استعادة هيبة المعلم، وكرامة الأم، ومكانة العالم.*