من جنيف إلى بيروت .. كيف تغيّر التفاهمات الأمريكية الإيرانية وجه المنطقة؟
هل تخسر إسرائيل هامش المناورة مع اقتراب واشنطن وطهران من اتفاق؟ هل يقيّد الاتفاق الأمريكي الإيراني حرية التحرك الإسرائيلي؟ وهل تستطيع إسرائيل التعايش مع أي تفاهم بين أمريكا وإيران؟
إلى أين يقود تقارب كهذا، بين واشنطن وطهران؟ وهل تنجح إدارة ترامب في الجمع بين دعم إسرائيل والتفاهم مع إيران؟ ما مصير لبنان والمنطقة إذا تحوّلت التفاهمات إلى اتفاق دائم؟
التفاهمات الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على إسرائيل والمنطقة.
بين فرص الانفراج ومخاوف التصعيد يُنظر إلى أي نجاح في التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، بطريقة أو بأخرى، على أنه انتكاسة للاستراتيجية الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ حرية الحركة العسكرية واستباحة ساحات الخصوم متى رأت ذلك ضرورياً لأمنها القومي. فالتوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني من شأنه أن يفرض قيوداً سياسية وأمنية جديدة، تحدّ من هامش المناورة الإسرائيلي وتضع ضوابط أكبر على تحركاتها العسكرية في المنطقة.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات عديدة توحي بوجود توجه نحو خفض التصعيد، فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن أي هجوم على لبنان يُعد خرقاً للتفاهمات القائمة، فيما نقل عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم رضاه عن الهجمات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أن بعض التصرفات الإسرائيلية قد تهدد فرص التقارب بين الأطراف المختلفة.
كما وُجهت انتقادات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب ما وُصف بأنه سلوك غير عقلاني قد يعرقل مسار التهدئة. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة إسرائيل على التكيف مع مرحلة جديدة قد تُفرض عليها بفعل التفاهمات الأمريكية الإيرانية. فهل تستطيع إسرائيل أن تضبط قراراتها العسكرية وتلتزم بسقف التفاهمات الجديدة؟ أم أن اعتبارات الأمن القومي الإسرائيلي ستدفعها إلى مواصلة سياساتها السابقة؟ تزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل القناعة الإسرائيلية المعلنة بأن المواجهة مع حزب الله وغزة وإيران ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل معركة ترتبط بأمن الدولة ووجودها.
ومن هذا المنطلق، ترى إسرائيل أن أي طرف يهدد أمنها يجب مواجهته وإضعافه، كما أن هناك من يرى أن إسرائيل لم تحقق جميع أهدافها في الحروب الأخيرة، الأمر الذي يجعلها أكثر تمسكاً بخيار مواصلة الضغوط العسكرية حتى حسم الملفات العالقة على مختلف الجبهات.
غير أن هذا التوجه يصطدم اليوم بمسار مختلف تتبناه الإدارة الأمريكية، فالتقارب بين واشنطن وطهران يُعد تطوراً لم تكن إسرائيل تتطلع إليه، خاصة في مرحلة تعتبرها حساسة لمستقبل الصراع في المنطقة.
ومن هنا يبرز التساؤل حول طبيعة الموقف الإسرائيلي .. هل سترضخ إسرائيل للضغوط الأمريكية وتقبل بالتفاهمات الجديدة؟ أم أنها ستسعى إلى خوض مغامرات سياسية أو عسكرية منفردة للحفاظ على أهدافها؟ كما يثار سؤال آخر حول مدى قدرة إسرائيل على التحرك بعيداً عن المظلة الأمريكية.
فالعلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب تجعل من الصعب على إسرائيل تجاهل الموقف الأمريكي، خصوصاً في القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن الإقليمي.
وإذا ما قبلت إسرائيل بالمسار الذي تدفع إليه واشنطن، فما هي السيناريوهات المتوقعة لإدارة الملفات العالقة، في وقت لم تُحسم فيه الصراعات على مختلف الجبهات بشكل نهائي؟ وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار التوترات في الساحة السورية، وهي تطورات يصعب فصلها عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية ضمن معادلة أمنية وسياسية شديدة الحساسية. وفي قلب هذه المعادلة يبرز دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالرجل الذي عُرف بمواقفه الحادة تجاه إيران، وسعى خلال مراحل سابقة إلى ممارسة أقصى الضغوط عليها، يبدو اليوم أكثر ميلاً إلى التهدئة والتفاهم.
بل إن تصريحاته الأخيرة أوحت بأنه لم يعد يعتبر إسقاط النظام الإيراني هدفاً مباشراً للسياسة الأمريكية، كما دعا إلى تجنب أي خطوات إسرائيلية قد تؤدي إلى إفشال مسار السلام أو إعادة إشعال المواجهات الإقليمية. هذا التحول يثير تساؤلات حول طبيعة التفكير السياسي لترامب وأولوياته الحالية، فهل يسعى إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير يعيد رسم ملامح المنطقة؟ أم أنه يحاول إدارة الصراع بطريقة مختلفة تقوم على الاحتواء بدلاً من المواجهة المباشرة؟ أما لبنان، فيبقى أحد أبرز الملفات المتأثرة بأي اتفاق محتمل.
فمستقبل لبنان بعد توقف الحرب، وشكل التوازنات السياسية والأمنية داخله، ومدى استقرار حدوده الجنوبية، كلها قضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار التفاهمات الجارية بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، يبرز التساؤل حول كيفية تمكن إيران من فرض شروطها أو تثبيت بعض مطالبها، بما في ذلك المطالبة بوقف الحرب عليها وخفض مستوى التصعيد.
كما يثار جدل حول طبيعة التفاهمات الحالية: هل تمثل مذكرة تفاهم تقنية تمهد لاتفاق سياسي شامل؟ أم أن الاجتماعات المرتقبة، ومنها لقاء جنيف، ستكون بداية لمفاوضات جديدة؟ أم أنها ستشكل المرحلة الأخيرة قبل التوقيع الرسمي على ما تم التوصل إليه؟ وتدفع هذه التطورات إلى التساؤل عما إذا كانت المنطقة بالفعل أمام انفراجة حقيقية وقريبة، يمكن أن تترجم إلى إجراءات عملية على الأرض، تشمل تثبيت التهدئة وفتح الممرات البحرية الحيوية بشكل كامل، وعلى رأسها مضيق هرمز، وتخفيف التوترات التي أثرت على حركة التجارة والطاقة خلال الفترات الماضية. وفي حال مضت التفاهمات قدماً، يبقى السؤال مطروحاً حول موقف إسرائيل منها.
فهل ستقبل بمرور اتفاق كهذا رغم ما قد يفرضه من قيود على حركتها؟ أم أنها ستسعى إلى إعادة خلط الأوراق ومحاولة التأثير على مسار الأحداث بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية؟ كما يظل الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية. فمع الحديث عن تأجيل بعض القضايا المرتبطة باليورانيوم الإيراني إلى مراحل لاحقة، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
هل ستلتزم طهران بأي تفاهمات مستقبلية؟ أم أنها ستسعى إلى مواصلة تطوير برنامجها النووي بصورة مستقلة؟ وكيف ستتعامل مع التحذيرات الأمريكية التي تؤكد أن أي تجاوز للخطوط المرسومة سيقابل بردود حاسمة؟ ومن الملفات الأخرى التي تثير الجدل قضية الأموال الإيرانية المجمدة، حيث تتحدث طهران عن حصولها على جزء من هذه الأموال، بينما تنفي الولايات المتحدة صحة هذه المعلومات. ويعكس هذا التباين حجم التعقيدات التي لا تزال تحيط بمسار التفاهمات بين الجانبين.
أما على مستوى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فإن أي تفاهم مع إيران لا يعني بالضرورة تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل.
فواشنطن ما زالت تؤكد التزامها بأمن إسرائيل واستمرار الشراكة الاستراتيجية معها، وقد حملت تصريحات ترامب الأخيرة رسائل متعددة الاتجاهات؛ فهي من جهة تطمئن الداخل الإسرائيلي إلى استمرار الدعم الأمريكي، ومن جهة أخرى تؤكد للأطراف الإقليمية أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حليفها التقليدي.
وفي حال حصلت إسرائيل على ضمانات أمريكية كافية، فقد يصبح من الممكن الجمع بين استمرار الدعم الأمريكي لها وبين المضي في مسار التفاهمات مع إيران.
غير أن إدارة هذه الملفات المتشابكة ستبقى مهمة معقدة، تتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الأمن، وحسابات السياسة، وفرص الاستقرار الإقليمي.
وفي النهاية، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها احتمالات التهدئة مع مخاطر التصعيد، فيما ستحدد نتائج التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وموقف إسرائيل منها، ومستقبل الملفات العالقة، شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.
محمد خالد الحسيني