بقلم: أحمد الدثني
ليست القضية اليوم من سيدخل صنعاء أولاً، ولا أي راية سترتفع فوق مبانيها، بل القضية الأهم: أي دولة ستولد بعد ذلك؟
في خضم الحشود القبلية المتدفقة إلى الريان، ومع تصاعد الحديث عن احتمال زحف قبلي نحو صنعاء لإسقاط سلطة الحوثيين - والذي يبدو لي مستبعدا - يلوح في الأفق سؤال أكبر من المعركة نفسها: هل نحن على أعتاب استعادة الدولة، أم مجرد انتقال السلطة من قوة مسلحة إلى قوة مسلحة أخرى؟
لقد شكّل انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة ومعظم المحافظات الشمالية واحدة من أكبر الضربات التي تعرضت لها الدولة اليمنية الحديثة، إذ فُرضت سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح، وتراجعت المؤسسات أمام نفوذ الجماعة. غير أن تصحيح هذا المسار لا يكون بإنتاج نموذج مشابه، وإن اختلفت الأسماء والرايات.
إن القبيلة كانت وستظل ركناً أصيلاً في المجتمع اليمني، وحصناً للدفاع عن الأرض والشرف، ولا يستطيع منصف أن ينكر أدوارها الوطنية عبر التاريخ. لكن القبيلة، مهما بلغت مكانتها، ليست بديلاً عن الدولة، ولا يمكن أن تتحول إلى مؤسسة حكم أو مرجعية سياسية وعسكرية دائمة.
فالدول تُبنى بالمؤسسات، لا بموازين القوة. وتُدار بالقانون، لا بالأعراف وحدها. ويستند استقرارها إلى المواطنة، لا إلى الولاءات الضيقة.
وإذا كانت القبائل اليوم تمتلك القدرة على التأثير في موازين المعركة، فإن المكان الطبيعي لهذه القوة هو أن تكون سنداً للجيش الوطني، لا بديلاً عنه. فالجيش هو المؤسسة التي وُجدت لتحتكر استخدام القوة باسم الدولة، وأي تجاوز لهذا المبدأ، مهما كانت النوايا، يضعف فكرة الدولة التي يسعى الجميع لاستعادتها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه: أين الشرعية؟ وأين الجيش الوطني الذي أُنشئ ودُرِّب ودُعم طوال سنوات ليستعيد مؤسسات الدولة؟ وهل يُعقل أن يصبح النكف القبلي هو الأداة الأساسية لتحرير العاصمة، بينما تقف مؤسسات الدولة في موقع المتفرج؟
إن تحرير صنعاء ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لاستعادة الجمهورية ومؤسساتها. فإذا خرج الحوثي، ثم دخلت العاصمة في دائرة نفوذ مراكز قوى جديدة، فإن اليمن لن تكون قد غادرت أزمتها، وإنما ستكون قد بدّلت وجهاً بآخر.
لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً لأن السلاح سبق الدولة، ولأن النفوذ تغلّب على القانون، ولأن الولاءات الخاصة تقدمت على الهوية الوطنية. وليس من الحكمة أن نعيد إنتاج المشهد نفسه تحت أي عنوان.
صنعاء لا تنتظر قبيلة تنتصر على قبيلة، ولا جماعة تهزم جماعة، ولا شيخاً يحل محل قائد جماعة. صنعاء تنتظر دولة... دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه يحميها القانون، لا ميزان القوة. دولة يكون فيها الجيش جيش الوطن كله، والقضاء ملاذ الجميع، والدستور هو المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع بلا استثناء.
إن الحشود الشعبية والقبلية يمكن أن تصنع انتصاراً عسكرياً، لكنها وحدها لا تستطيع أن تبني دولة. وبناء الدولة هو الانتصار الحقيقي الذي ينتظره اليمنيون منذ سنوات.
فإذا كان لا بد من معركة، فلتكن المعركة الأخيرة التي تعيد الدولة إلى صنعاء، لا المعركة الأولى التي تؤسس لنفوذ جديد.
فصنعاء... لم تعد تنتظر من يحكمها، بل تنتظر أن تعود إليها الدولة.