عندما نبحث عن أسرار تقدم الأمم، سنجد أن هناك قاسمًا مشتركًا بينها جميعًا: إنها لم تبنِ نهضتها بالحظ، ولم تصنع مستقبلها بالشعارات، بل بدأت من المكان الذي يبدأ منه بناء الإنسان: المدرسة.
الدول التي وصلت إلى مصاف العالم المتقدم لم تنظر إلى التعليم باعتباره قطاعًا خدميًا عاديًا، بل اعتبرته قضية أمن قومي. فالمعلم عندها ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل، بل هو الشخص الذي يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والقائد والعالم.
حتى في أصعب مراحل التاريخ، أدركت بعض الدول أهمية المعلم. فعندما دخلت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية واحتاجت إلى تعبئة واسعة، كان المعلم من الفئات التي حظيت بمكانة خاصة؛ لأن الدولة كانت تدرك أن خسارة جيل متعلم قد تكون أخطر من خسارة معركة.
وفي بعض الدول اليوم، أصبح المعلم من أعلى الفئات دخلًا واحترامًا، ليس لأنهم يملكون موارد لا تنتهي، بل لأنهم فهموا أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، وإنما في الإنسان الذي سيبني الحجر ويحمي الوطن.
لكن عندما ننظر إلى واقعنا العربي واليمني تحديدًا، نجد صورة مؤلمة. المعلم الذي يحمل على عاتقه مسؤولية تربية الأجيال أصبح يبحث عن وسيلة للعيش الكريم. راتبه لا يكفي احتياجات أسرته، ومكانته الاجتماعية تراجعت، حتى أصبح بعض المعلمين ينظرون إلى أي فرصة عمل أخرى باعتبارها طوق نجاة.
والمؤلم أكثر أن بعض المعلمين حين تفتح أمامهم أبواب الانضمام إلى الوحدات العسكرية أو الأمنية يسارعون إليها، ليس عشقًا للسلاح ولا بحثًا عن مواجهة الموت، ولكن لأنهم يبحثون عن راتب يستطيعون به إطعام أبنائهم وتأمين مستقبلهم.
أي رسالة نرسلها إلى المجتمع عندما يصبح حمل السلاح أكثر جاذبية من حمل الكتاب؟
وأي مستقبل ننتظره عندما يكون راتب من يحمي الحدود أو يحمل القوة أعلى قيمة من راتب من يبني العقول؟
إن أزمة التعليم في اليمن ليست فقط في المناهج أو المباني المدرسية، رغم أهميتها، بل في الإنسان الذي يقف أمام السبورة. فإذا كان المعلم محبطًا، فقيرًا، فاقدًا للأمان، فكيف نطالبه بصناعة جيل واثق ومبدع؟
إن مخرجات التعليم التي نشكو منها اليوم ليست إلا نتيجة طبيعية لعقود من الإهمال. فالطالب الذي يدخل مدرسة لا يجد فيها معلماً مستقرًا ومؤهلًا، ولا بيئة تعليمية مناسبة، سيخرج غالبًا وهو يحمل شهادة أكثر مما يحمل معرفة.
لا يمكن لأي بلد أن يبني اقتصادًا قويًا أو جيشًا قويًا أو دولة قانون إذا كان التعليم في آخر سلم الأولويات. فكل أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية تعود في جذورها إلى طريقة بناء الإنسان.
قد نختلف في السياسة، وقد تتغير الحكومات والأنظمة، لكن هناك حقيقة لا تتغير: الأمة التي تهين معلمها تدفع ثمن ذلك في مستقبلها.
المطلوب ليس فقط زيادة رواتب المعلمين، رغم أنها ضرورة، بل إعادة الاعتبار لمهنة التعليم نفسها. نحتاج إلى جعل المعلم من أكثر المهن احترامًا وجذبًا للكفاءات، وأن يشعر الشاب المتفوق أن دخوله كلية التربية ليس خيارًا اضطراريًا، بل طريقًا لصناعة المستقبل.
إن بناء مدرسة جيدة أرخص بكثير من علاج مجتمع جاهل، وبناء معلم محترم أقل تكلفة من مواجهة أجيال فقدت الثقة والعلم والفرص.
أما الانتظار وترك الأمور للزمن، فلن يصنع معجزة. فالتاريخ لا يكافئ الشعوب التي تنتظر، بل تلك التي تعرف أين تضع أول حجر في طريق النهضة.
وأول حجر في نهضة اليمن لن يكون إلا المعلم.