آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-08:33ص

تهامة.. وتغييبها عن مركز القرار (قراءة في اختلال التمثيل واستحقاق الشراكة)

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 09:07 ص
إبراهيم الأهدل


في مطلع العام الجاري، صدر قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رقم (٤) لسنة ٢٠٢٦م بتعيين عضوين في مجلس القيادة الرئاسي لشغل المقعدين الشاغرين، ثم أُعلن في ٦ فبراير ٢٠٢٦م عن تشكيل الحكومة الجديدة. وقد مثل هذان الاستحقاقان فرصة لإعادة النظر في خريطة التمثيل داخل مؤسسات الدولة العليا، إلا أنهما أعادا طرح تساؤل مشروع: هل أسهمت هذه التغييرات في معالجة اختلال التمثيل الوطني، أم أنها أبقت واقع الاختلال قائمًا؟


ولا تنطلق هذه القراءة من منطق المحاصصة أو المطالب المناطقية، وإنما من مبدأ الشراكة الوطنية الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، والذي يقتضي أن تعكس مؤسساتها العليا مختلف مكونات المجتمع اليمني، بما يعزز الثقة بالدولة، ويرسخ مبدأ المواطنة المتساوية، ويجعل مؤسساتها أكثر تعبيرًا عن واقع الوطن وتنوعه.


وفي هذا السياق، يبرز غياب تهامة بوصفه أحد مظاهر اختلال خريطة التمثيل الوطني. فمع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، عكست تركيبته حضورًا لمختلف المكونات الجغرافية، إلا أن تهامة ظلت خارج هذا المستوى القيادي الأعلى. كما امتد الحضور إلى التشكيل الحكومي، حيث شمل تمثيل مختلف المناطق عددًا من الحقائب الوزارية السيادية والخدمية والاقتصادية، بينما اقتصر حضور تهامة على وزير دولة دون حقيبة، وهو ما يثير تساؤلًا حول طبيعة هذا التمثيل؛ هل يعكس غياب الثقة بقدرة الكوادر التهامية على تولي مسؤوليات تنفيذية كاملة، أم أنه جاء كتمثيل شكلي لامتصاص العتاب والامتعاظ من التغييب دون تمكين فعلي لهم في مواقع التأثير وصناعة القرار؟ وفي كل الأحوال، فإن هذا المستوى من التمثيل لا ينسجم مع مكانة تهامة الوطنية، ولا مع ثقلها السكاني وأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية ودورها التاريخي في مسار الدولة والجمهورية.


ومن عدم الإنصاف، ربط هذا الغياب _أو التغييب_ بنقص في الكفاءات أو محدودية في القدرات، فتهامة تزخر بالكثير من الكوادر الوطنية ذات الخبرة والكفاءة في مختلف المجالات السياسية والقانونية والإدارية والاقتصادية والعسكرية والأكاديمية، ممن يمتلكون القدرة على الإسهام الفاعل في إدارة مؤسسات الدولة وصناعة القرار. ومن ثم فإن استمرار محدودية حضور تهامة في مواقع المسؤولية العليا لا يعكس غيابًا في الكفاءات، وإنما يعكس خللًا في فُرص التمثيل والوصول إلى دوائر القرار.


إن استمرار هذا الغياب يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى اكتمال صورة الشراكة الوطنية في المرحلة الراهنة؛ إذ إن بناء الدولة لا يقوم فقط على تشكيل المؤسسات، وإنما على ضمان حضور مختلف مكوناتها في دوائر القرار، بما يعزز الانتماء والثقة بالمؤسسات العامة، ويؤكد أن المشاركة الوطنية ليست ظرفًا سياسيًا عابرًا، بل مبدأ ثابتًا في إدارة الدولة.


ولا تعني الدعوة إلى إنصاف تهامة إعادة إنتاج المحاصصة أو تكريس الانقسامات المناطقية، وإنما تصحيح مسار التمثيل بما ينسجم مع متطلبات بناء دولة أكثر توازنًا وعدالة. وفي ظل اكتمال تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، فإن معالجة اختلال التمثيل تقتضي البحث عن حلول واقعية قابلة للتنفيذ، ومن بينها تعزيز حضور تهامة في مواقع المسؤولية التنفيذية العليا، بما في ذلك إمكانية إسناد منصب نائب رئيس مجلس الوزراء إلى شخصية تهامية ذات كفاءة وخبرة، فضلًا عن إسناد حقائب وزارية ذات اختصاص وصلاحيات لأبناء تهامة في أي تعديل وزاري مرتقب، بما يضمن حضورًا مؤثرًا في إدارة الشأن العام، بعيدًا عن مجرد التمثيل الشكلي، ويعكس مكانتها الوطنية ودورها في مؤسسات الدولة، ويكرس مبدأ الشراكة الوطنية بعيدًا عن منطق المحاصصة.


أما على مستوى مجلس القيادة الرئاسي، فإن أي مراجعة مستقبلية لبنيته أو لأي ترتيبات سياسية مرتبطة بمرحلة الانتقال ينبغي أن تراعي استكمال خريطة التمثيل الوطني، بما يضمن حضور تهامة في أعلى مؤسسة قيادية للدولة(الرئاسة)، سواء من خلال توسيع دائرة المشاركة أو عبر أي صيغة توافقية تحقق قدرًا أكبر من العدالة في التمثيل، وتعزز شرعية المؤسسات وثقة المواطنين بها.


إن قضية تهامة ليست قضية منصب أو مقعد، بل قضية مبدأ يتعلق بعدالة الدولة وتوازن مؤسساتها. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على إنشاء مؤسساتها، وإنما بقدرتها على تمثيل جميع مكوناتها بعدالة، وإتاحة الفرصة أمام كفاءاتها للمشاركة في صناعة القرار. وكلما اتسعت دائرة المشاركة الوطنية، ازدادت شرعية المؤسسات، وتعززت الثقة بها، وأصبحت أكثر قدرة على قيادة اليمن نحو دولة تقوم على سيادة القانون، والشراكة الوطنية، والمواطنة المتساوية.


..