ليست النصوص الشعرية الكبرى تلك التي تمنح قارئها معنى واحداً وإنما تلك التي تؤسس منظومة من العلامات والدلالات القابلة لإعادة الإنتاج مع كل قراءة جديدة. ومن هذا المنطلق تبدو قصيدة بكّر غبش للشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) نصاً يتجاوز وظيفته الغنائية ليغدو بنيةً رمزيةً كثيفة تتشابك فيها العلامة اللغوية مع المكان والزمن مع الوجدان والطبيعة مع الهوية الوطنية.
فالقصيدة لا تقدم وصفاً جمالياً لمحبوب يخرج مع الفجر فحسب وإنما تعيد تشكيل العالم من حوله بحيث يصبح الإنسان مركزاً لإعادة تنظيم الكون وتتحول الطبيعة إلى لغة ثانية تتحدث بها القصيدة.
أولاً: شعرية العنوان وسيميائيات البكور:
يبدأ النص منذ عنوانه بالفعل الماضي: بكر ، وهو ليس مجرد إحالة زمنية بل علامة ثقافية مكتملة. فالبكور في الوعي اليمني لا يمثل توقيتاً من النهار فحسب وإنما يحيل إلى منظومة من القيم كالعمل والبركة والنشاط والتجدد وبداية دورة الحياة.
أما لفظة غبش فلا تؤدي وظيفة زمنية فقط بل تمثل منطقة إنتقالية بين العتمة والنور أي بين الإمكان والتحقق. وبذلك يصبح العنوان كله إعلاناً عن ميلاد عالم جديد لا عن خروج شخص في ساعة مبكرة.
ومن المنظور السيميائي فإن العنوان يختزل البنية العميقة للنص كله إذ يجعل الزمن نفسه بطلاً للقصيدة قبل ظهور الشخصية الرئيسة.
ثانياً: الزمكانية وشعرية المكان:
لا يتحرك المكان في القصيدة بوصفه إطاراً خارجياً للأحداث وإنما يتحول إلى عنصر منتج للمعنى.
فالروابي والمروج وضفاف الأنهار والأشجار والطل والرشاش ليست مفردات وصفية متجاورة وإنما تشكل حقلاً مكانياً واحداً تتكامل عناصره لإنتاج حالة من الصفاء الكوني.
إن المكان هنا ليس جغرافيا بل وجدان.
وبالمنظور الباشلاري يغدو المكان حاضناً للذاكرة أكثر من كونه فضاءً مادياً إذ يكتسب قيمته من العلاقة الشعورية التي يقيمها الإنسان معه.
كما أن الزمن يتحرك داخل هذا المكان بصورة تصاعدية تبدأ بالغبش ثم الفجر ثم الصبح ثم النهار بما يجعل حركة الضوء بنية موازية لحركة المعنى داخل القصيدة.
وهذه الزمكانية المتدرجة تمنح النص ديناميكية داخلية نادراً ما تتوافر في القصيدة الغنائية الشعبية.
ثالثاً: أنسنة الطبيعة وتحولها إلى ذات فاعلة:
من أهم الخصائص الأسلوبية في القصيدة أنها تسحب الطبيعة من موقعها التقليدي بوصفها موضوعاً للوصف لتمنحها دور الشخصية المشاركة.
فالطل يختار والأزهار تستقبل والحقول تفتش والنسيم يداعب، والتربة تنتظر والطيور تحتفل.
وهنا تتحول الطبيعة إلى كائن واعٍ يشارك في صناعة الحدث.
إنها ليست خلفية للمشهد وإنما أحد أبطاله.
وهذا اللون من أنسنة الطبيعة يحقق ما يسميه النقد الحديث "تبادل الوظائف بين الذات والموضوع" حيث تنتقل صفات الإنسان إلى عناصر الطبيعة فتغدو الطبيعة إنساناً بينما يتحول الإنسان إلى مركز إشعاع كوني.
رابعاً: الحقول الدلالية والإيقاع الداخلي:
تكشف القراءة المعجمية للنص عن أربعة حقول دلالية كبرى:
-حقل الطبيعة: (الطل، الرشاش، الأشجار، الأنهار، المروج، الطيور، الورد).
-حقل الحركة: (بكّر يمشي، طار، عاد، رفرف، لفت، سلّم).
-حقل الضوء: (الغبش، الفجر، الصبح، النهار).
-حقل الوجدان: (الهوى، القلب، الفؤاد، الأحلام، النشوة).
وهذه الحقول لا تعمل منفصلة بل تتقاطع لتنتج شبكة دلالية واحدة تجعل كل عنصر يضيء العنصر الآخر.
أما الإيقاع الداخلي فلا يقوم على الوزن وحده وإنما يتأسس على تكرار الفعل بكّر وعلى كثافة الأصوات الرخوة وعلى تعاقب الجمل القصيرة بما يمنح القصيدة حركة تشبه تنفس الفجر نفسه!
فالإيقاع هنا ليس موسيقى خارجية وإنما بنية نفسية توازي المعنى.
خامساً: التناص الثقافي:
لا يظهر التناص في القصيدة بصورته الاقتباسية المباشرة وإنما يحضر بوصفه تناصاً ثقافياً.
فالبكور يحيل إلى الموروث الإسلامي الذي جعل أول النهار زمن البركة كما يحيل إلى الثقافة الزراعية اليمنية التي ارتبطت تاريخياً ببدايات النهار.
وفي المقابل يدخل النص في حوار غير مباشر مع نموذج المرأة في القصيدة العربية القديمة.
ففي حين جعل شعراء كثيرون نوم الضحى علامة النعمة والدلال يقدم الفضول نموذجاً مختلفاً حيث يقترن الجمال بالحركة والعمل واستقبال الفجر.
وهكذا لا يعارض التراث بل يعيد تأويله وفق البيئة اليمنية وقيمها الحضارية.
سادساً: البنية الرمزية وخطاب الهوية:
تبلغ القصيدة ذروتها التأويلية في قول الشاعر:
لا طارح الخُنّة ولا مشرشف
حيث يمكن النظر إلى هذه العبارة بوصفها علامة ثقافية تتجاوز الوصف الخارجي.
فالنص هنا يخفف من حضور العلامات المناطقية لصالح صورة إنسان يتجاوز الانتماءات الجزئية.
ومن ثم يمكن قراءة هذا الموضع بوصفه انفتاحاً على خطاب الهوية الجامعة لا بوصفه تصريحاً سياسياً مباشراً.
إنها دلالة رمزية أكثر منها تقريرية وهي إحدى سمات الشعر الكبير الذي يترك باب التأويل مفتوحاً أمام القارئ.
إن بكّر غبش ليست مجرد قصيدة غنائية ناجحة بل نص أدبي متعدد الطبقات استطاع أن يبني شبكة متماسكة من العلامات وأن يجعل الزمن والمكان والطبيعة والإنسان والهوية وحدات متفاعلة داخل بناء شعري واحد.
وتكمن عبقرية الفضول في أنه لم يكتب الطبيعة بوصفها منظراً بل كتبها بوصفها لغة ولم يكتب الإنسان بوصفه فرداً بل بوصفه مركزاً يعيد انتظام الكون حوله.
ولهذا تبقى القصيدة واحدة من أهم النصوص الشعرية اليمنية القابلة للمقاربات السيميائية والثقافية الحديثة لأنها تتجاوز حدود الغناء إلى تأسيس رؤية جمالية للإنسان والمكان والوطن.