آخر تحديث :الجمعة-04 سبتمبر 2026-03:46م

اليمن بين معركة استعادة الدولة وتحدي إنهاء الانقسام

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 03:37 م
موسى المليكي


لم يعد ما يجري في اليمن مجرد جولة عسكرية عابرة أو أزمة سياسية مؤقتة يمكن تجاوزها ببيانات التهدئة أو وعود الوساطات، بل أصبح صراعاً مصيرياً يتعلق بمستقبل الدولة اليمنية، وسيادتها، وقدرة أبنائها على استعادة قرارهم الوطني بعيداً عن أي نفوذ خارجي يسعى إلى تحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

فعلى مدى أكثر من عقد، دفع الشعب اليمني ثمناً باهظاً جراء الحرب، من أرواح فقدت، ومدن تضررت، وأسر عانت من النزوح والفقر والخوف، فيما بقي المواطن اليمني هو المتضرر الأكبر من استمرار الصراع وتداعياته الإنسانية والأمنية.

إن طبيعة هذه المواجهة تكشف أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم المعارك في الميدان، بل بما تتركه من آثار على الدولة والمجتمع ومستقبل الأجيال.


فاستهداف المدن والمنشآت المدنية، وزراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وانتهاك حقوق المدنيين، كلها ممارسات تزيد من معاناة اليمنيين وتعمق جراح الوطن، وتؤكد الحاجة إلى بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وفرض القانون.

اليمنيون اليوم لا يخوضون معركة بحثاً عن مكاسب شخصية أو أهداف ضيقة، بل يخوضون اختباراً صعباً يتعلق بحقهم في وطن مستقر، ودولة ذات سيادة، ومستقبل لا تحكمه الفوضى أو السلاح المنفلت. والجندي المرابط في موقعه يدرك أن مهمته ليست سهلة، وأن الدفاع عن الوطن يحمل معه أعلى درجات التضحية والمسؤولية، وأن التاريخ يسجل دائماً مواقف الرجال في اللحظات العصيبة.

وفي هذه المرحلة الحساسة، يصبح توحيد الصف الوطني ضرورة لا خياراً. فاليمن بحاجة إلى موقف جامع يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة، ويدعم مؤسسات الدولة والقوات المسلحة باعتبارها الجهة المسؤولة عن حماية الأمن والاستقرار، مع ضرورة أن يكون هذا الدعم مرتبطاً ببناء مؤسسة عسكرية وطنية تعمل وفق القانون وتحمي جميع اليمنيين.


إن أي انتقاد للأداء السياسي أو العسكري يجب أن يوجه إلى مواقع المسؤولية والقرار، وإلى السياسات التي أثبتت التجربة أنها لم تحقق سلاماً دائماً أو حلاً مستداماً. فالسلام الحقيقي لا يكون مجرد هدنة مؤقتة تمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، بل سلام يقوم على ضمانات واضحة، واحترام الدولة، وإنهاء أسباب الصراع، وحماية حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم.

أما الجنود والضباط الذين يقفون في مواقع المواجهة في ظروف بالغة الصعوبة، فإنهم يتحملون عبئاً كبيراً ومسؤولية وطنية شاقة، ويستحقون التقدير والدعم، لأنهم يعملون في بيئة مليئة بالمخاطر والتحديات، بعيداً عن أسرهم وحياتهم الطبيعية.


إن الأحداث التي شهدتها منطقة الرويك، وما رافقها من استهداف لمواقع عسكرية، تؤكد أن مسار الحرب لا يزال مفتوحاً وأن الصراعات الطويلة تحمل في طياتها خسائر وتقلبات. لكن الدرس الأهم في مثل هذه اللحظات هو ضرورة الحفاظ على تماسك المجتمع، ورفع معنويات المقاتلين، وتعزيز القدرة على حماية البلاد، وعدم السماح بأن تتحول المعاناة إلى حالة استسلام أو فقدان للأمل.

فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرة طرف على إلحاق الضرر بخصمه، بل بقدرته على بناء مشروع وطني يحظى بثقة شعبه، ويعيد للدولة مؤسساتها، ويمنح المواطنين الأمن والعدالة والكرامة.


إن معركة اليمن الكبرى ليست فقط معركة جبهات، بل معركة بناء دولة، واستعادة مؤسسات، وإنهاء حالة الانقسام التي أنهكت البلاد. وهي مسؤولية تقع على عاتق الجميع: القيادات السياسية، والقوى العسكرية، والمجتمع المدني، وكل مواطن يؤمن بأن مستقبل اليمن يجب أن يُصنع بإرادة أبنائه.


لقد أثبت اليمنيون عبر التاريخ قدرتهم على الصمود في أصعب الظروف، واليوم تظل الأولوية هي حماية الوطن، وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل من أجل يمن آمن ومستقر يمتلك قراره وسيادته، بعيداً عن أي مشاريع تستخدم اليمن ساحة لتصفية الحسابات.

فالمستقبل لن يُبنى بالكراهية أو استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، بل بإرادة وطنية صلبة تجمع بين الدفاع عن الدولة والسعي إلى سلام عادل يحفظ كرامة اليمنيين ويعيد لهم حقهم في الحياة والأمن والاستقرار.