آخر تحديث :الجمعة-04 سبتمبر 2026-03:46م

الاتصالات.. الجبهة التي لم تُحسم بعد

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 04:45 م
موسى المليكي


في الحروب الحديثة، لم يعد النصر يُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات أو حتى المساحات التي تُنتزع على الأرض. لقد تغيّرت قواعد الصراع، وأصبحت شبكات الاتصالات والإنترنت واحدة من أخطر أدوات القوة، لأنها تتحكم في تدفق المعلومات، وتربط مؤسسات الدولة ببعضها، وتشكل العمود الفقري للقيادة والإدارة والاقتصاد. ومن يملك هذا القطاع لا يملك مجرد خدمة عامة، بل يمتلك إحدى أهم ركائز السيادة في القرن الحادي والعشرين.

من هذا المنطلق، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله في المشهد اليمني: كيف يمكن لدولة تخوض حربًا منذ أكثر من عقد لاستعادة مؤسساتها، بينما لا يزال أحد أهم قطاعاتها السيادية خارج إدارتها المباشرة؟

هذا السؤال لا يتعلق فقط بسرعة الإنترنت أو جودة خدمات الهاتف، ولا يقتصر على الإيرادات المالية التي يحققها القطاع، على أهميتها. إنه سؤال يتصل بجوهر مفهوم الدولة نفسها. فالاتصالات اليوم ليست مجرد أسلاك وأبراج وأجهزة، بل هي شرايين الدولة الحديثة، التي تعبر من خلالها الأوامر والبيانات والخدمات والمعاملات، وتقوم عليها قطاعات الأمن والاقتصاد والإدارة.

يرى كثير من المتابعين أن استمرار إدارة البنية الرئيسية للاتصالات خارج سيطرة الحكومة اليمنية يمثل تحديًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد. فمن الناحية الاقتصادية، يبقى قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات قدرة على توليد الإيرادات بشكل مستمر، وهو ما يجعل التحكم به عاملًا مؤثرًا في موازين الموارد خلال النزاعات. ومن الناحية الأمنية، يثير التحكم بالبنية التحتية للاتصالات تساؤلات حول حماية البيانات والاتصالات الحساسة في زمن أصبحت فيه المعلومة عنصرًا أساسيًا في إدارة الصراع.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها. فقبل أن تتحرك القوات، تتحرك المعلومات. وقبل أن تُطلق الذخيرة، تُرسل الأوامر عبر شبكات الاتصال. ولهذا لم يعد غريبًا أن تخصص الدول الكبرى مليارات الدولارات لحماية بنيتها الرقمية، وأن تعتبر أي تهديد لشبكات الاتصالات تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

واليمن ليس بعيدًا عن هذه المعادلة. فإعادة بناء الدولة لا تقتصر على استعادة المباني الحكومية أو إعادة تشغيل المؤسسات، بل تشمل أيضًا استعادة السيطرة على القطاعات التي تمنح الدولة قدرتها على الإدارة والقرار. ولا يمكن الحديث عن سيادة مكتملة بينما تظل بنية تحتية بهذا الحجم والأهمية خارج إدارة الدولة.

إن بناء قطاع اتصالات وطني، يخضع لإدارة المؤسسات الرسمية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعًا تقنيًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا سياديًا يرتبط بالأمن الوطني، والتنمية الاقتصادية، والتحول الرقمي، وثقة المستثمرين، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فالدول القوية تُبنى على مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تحتاج إلى بنية تحتية آمنة ومستقلة.

اليمنيون، الذين أنهكتهم سنوات الحرب، لا ينتظرون فقط نهاية القتال، بل ينتظرون أيضًا عودة الدولة بكل مؤسساتها، وقدرتها على إدارة مواردها وقطاعاتها الاستراتيجية. وفي مقدمة هذه القطاعات يأتي ملف الاتصالات والإنترنت، الذي تجاوز منذ زمن كونه قطاعًا خدميًا، ليصبح أحد أهم مفاتيح السيادة الوطنية.

قد تختلف الرؤى حول آليات معالجة هذا الملف، وقد تتباين المواقف السياسية بشأنه، لكن من الصعب إنكار أن الاتصالات أصبحت اليوم جزءًا من معادلة الأمن القومي، وأن مستقبل الدولة الحديثة يرتبط بقدرتها على إدارة فضائها الرقمي كما تدير حدودها البرية والبحرية والجوية.

إن معركة استعادة الدولة ليست معركة البنادق وحدها، بل هي أيضًا معركة المؤسسات، والاقتصاد، والمعلومات، والسيادة الرقمية. وفي زمن تتغير فيه أدوات القوة بوتيرة متسارعة، قد تكون السيطرة على شبكة اتصالات وطنية آمنة، في أهميتها، موازية للسيطرة على أي موقع استراتيجي على الأرض.

ولهذا، فإن أي رؤية جادة لبناء اليمن واستعادة مؤسسات الدولة لا يمكن أن تتجاوز هذا الملف أو تؤجله. فالسيادة لا تتجزأ، والدولة التي تطمح إلى امتلاك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي تحتاج كذلك إلى امتلاك قرارها الرقمي. وفي عالم اليوم، قد تبدأ معركة استعادة الدولة من حيث لا يلتفت كثيرون: من شبكة اتصالات تحمل في أسلاكها أكثر مما تحمله من مكالمات ورسائل، وتحمل في طياتها مستقبل السيادة نفسها.