ليست كل المعارك مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين؛ فبعضها يتحول إلى لحظة فاصلة في التاريخ لأن موقع المعركة يتجاوز الجغرافيا إلى معنى الدولة وأمنها ومكانتها.
ومن هذا النوع كانت معركة تحرير الفاو عام 1988م التي لم تكن مجرد استعادة لشريط من الأرض وإنما استعادة لموقع استراتيجي شديد الحساسية على الخليج العربي وتحولًا مهما في مسار الحرب العراقية الإيرانية.
-الفاو.. الجغرافيا التي تختصر معنى الصراع..
في فبراير/شباط 1986م تمكنت القوات الإيرانية ضمن عملية (فجر 8) من اختراق الدفاعات العراقية والاستيلاء على أجزاء مهمة من شبه جزيرة الفاو.
وكان ذلك تطورا عسكريا بالغ الخطورة فالمنطقة تقع في أقصى جنوب العراق عند ملتقى شط العرب بالخليج العربي بما يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز مساحتها الجغرافية.
وقد أدى سقوط الفاو إلى تقليص اتصال العراق المباشر بالخليج وأوجد لإيران موطئ قدم متقدما على الخاصرة الجنوبية للعراق فضلًا عن قرب القوات الإيرانية من الحدود الكويتية. ولذلك لم يكن سقوط الفاو في الحساب العراقي مجرد خسارة ميدانية بل تحولا استراتيجيا فرض إعادة التفكير في طبيعة الحرب وموازينها.
ومن هنا اكتسبت الفاو رمزيتها فهي قطعة أرض لكنها في الحساب الاستراتيجي بوابة وممر ومجال نفوذ في آن واحد.
-عامان من التحصين والاستعداد..
أدركت إيران أهمية الموقع فسعت إلى تحويل الفاو إلى منطقة دفاعية شديدة التحصين فأنشأت الخنادق وحقول الألغام والأسلاك الشائكة والمجاري المائية التي تعوق حركة الدروع والمركبات المجنزرة إلى جانب منظومة من التحصينات الميدانية التي جعلت استعادتها مهمة عسكرية بالغة الصعوبة.
حافظ الإيرانيون على مواقعهم في الفاو قرابة عامين قبل أن يشن العراق هجومه الحاسم في أبريل 1988م.
وهكذا تحولت الفاو من أرض محتلة إلى قلعة عسكرية متقدمة الأمر الذي جعل قرار استعادتها اختبارا حقيقيًا لقدرة الجيش العراقي على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم المركب ومن احتواء الخسارة إلى استرداد المبادرة.
رمضان مبارك.. يوم استعادة المبادرة..
في 17 أبريل/نيسان 1988م بدأ العراق عملية تحرير الفاو التي حملت اسم "رمضان مبارك" متزامنة مع مطلع شهر رمضان في استدعاء رمزي لذاكرة عربية عسكرية ارتبط فيها شهر رمضان بمحطات كبرى من تاريخ القتال العربي قديما وحديثا ولا سيما حرب أكتوبر 1973م.
وقد شكل الهجوم العراقي مفاجأة عملياتية للقوات الإيرانية التي كانت تتمركز داخل منظومة دفاعية اعتُبرت شديدة الصعوبة.
لكن المفاجأة لم تكن في التوقيت وحده فقد كانت في طريقة إدارة المعركة.
فالقوات العراقية اعتمدت على قصف تمهيدي كثيف ومركز تلاه اختراق للتحصينات باستخدام القوات المدرعة والمجنزرة ثم تقدمت قوات المشاة لتثبيت المواقع وتأمين الأرض المستعادة. وبذلك جرى التعامل مع التحصينات الإيرانية باعتبارها منظومة متكاملة ينبغي تفكيكها بالتدرج لا مجرد خطوط دفاعية منفردة.
وكانت الفكرة الأساسية هي تحقيق كثافة نارية هائلة على مواضع العدو قبل دفع القوات البرية إلى داخل المنطقة المحصنة وهي مقاربة تعكس تطورا في استخدام القوة النارية والدمج بين المدفعية والطيران والدروع والمشاة.
-35 ساعة هزمت عامين..
كانت المفارقة التاريخية الأبرز أن منطقة احتاجت إيران إلى معركة معقدة للاستيلاء عليها ثم أمضت نحو عامين في تحصينها سقطت في الهجوم العراقي خلال فترة قصيرة للغاية.
فقد تمكنت القوات العراقية من استعادة شبه جزيرة الفاو خلال نحو 35 ساعة في حين كانت التقديرات الأولية للعملية تمتد إلى فترة أطول بكثير.
وقد رافق الانهيار السريع للمواقع الإيرانية الاستيلاء على كميات من المعدات والأسرى فيما اضطرت القوات الإيرانية إلى الانسحاب من شبه الجزيرة.
وهنا تكمن أهمية المعركة عسكريا حيث لم تكن القيمة في استعادة الأرض فحسب وإنما في سرعة انهيار منظومة دفاعية جرى إعدادها على مدى عامين.
لقد أثبتت المعركة أن التحصين مهما بلغ من التعقيد لا يصنع نصرا دائما إذا فقدت المنظومة الدفاعية قدرتها على الصمود أمام التفوق العملياتي وكثافة النيران وحسن تنسيق الأسلحة.
-من الفاو إلى ذاكرة التاريخ..
في الذاكرة العراقية والعربية اكتسب تحرير الفاو دلالة تتجاوز نتائج المعركة المباشرة. فقد جاءت العملية في مرحلة بدأت فيها موازين الحرب تميل بصورة واضحة ضد إيران وكانت استعادة الفاو واحدة من أبرز الانتصارات العراقية في المرحلة الأخيرة من الحرب.
وبعد أشهر قليلة من تحرير الفاو أعلنت إيران قبول قرار وقف إطلاق النار قبل أن تنتهي الحرب العراقية ـ الإيرانية في أغسطس/آب 1988م.
ولهذا يُنظر إلى معركة الفاو باعتبارها إحدى المعارك التي أسهمت في إعادة تشكيل ميزان القوى في المرحلة الأخيرة من الحرب.
أما في القراءة التاريخية الأوسع فإن الخطاب العراقي حينها كان موفقا حين وضع الفاو ضمن سلسلة من المواجهات العربية الفارسية مع استحضار أسماء مثل ذي قار والقادسية ونهاوند وذات السلاسل.
كون المعارك لا تعيش في الميدان وحده بل تعيش أيضا في الذاكرة الجماعية للأمم وتتحول إلى رموز تُستخدم لإعادة تعريف الذات والخصم والتاريخ.
-الفاو.. درس في الجغرافيا قبل أن تكون درسا في الحرب..
تكشف معركة الفاو قبل أي شيء أن الجغرافيا لا تفقد قيمتها الاستراتيجية مهما تغيرت أدوات الحرب.
فالموقع الذي يسيطر على منفذ بحري أو عقدة مائية أو طريق تجاري لا يكون مجرد أرض بل يتحول إلى ورقة في معادلة القوة.
ولهذا كان الصراع على الفاو صراعا على الموقع بقدر ما كان صراعا على الأرض.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا كان تحريرها أكثر من انتصار عسكري عابر! لقد أعاد للعراق منفذه البحري المباشر وأزال موطئ القدم الإيراني الذي استمر عامين في أقصى الجنوب العراقي.
ومن هنا ستظل الفاو واحدة من تلك المعارك التي تختصر في ساعات قليلة مسار سنوات طويلة سقطت في هجوم مفاجئ عام 1986م وتحولت خلال عامين إلى منظومة دفاعية محصنة ثم عادت إلى السيطرة العراقية في أبريل 1988م خلال نحو 35 ساعة.
ولذلك فإن قيمة الفاو لا تكمن في نتائجها العسكرية وحدها وإنما في درسها الاستراتيجي الأوسع حيث الأرض قد تُحتل والموقع قد يُحاصر والتحصينات قد تبدو عصية لكن موازين القوة لا تُحسم بالتحصين وحده وإنما بالقدرة على استعادة المبادرة وصناعة التفوق في اللحظة الحاسمة.
وفي ذاكرة العراقيين بقيت الفاو عنوانا لمعركة استعادة الأرض أما في الذاكرة العربية فإن الفاو بقيت شاهدا على أن الجغرافيا حين تدخل ميدان الصراع تتحول من مجرد مكان إلى جزء من صناعة التاريخ.