آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:44ص

بلد الطوابير

الأحد - 09 أغسطس 2026 - الساعة 10:45 ص
حسين سالم السليماني


ليست كل الدول تُعرَف بما تملكه من ثروات، أو بما حققته من إنجازات، أو بما شيدته من مشاريع، لكن ثمة أوطان باتت تُعرف بما يعانيه أهلها. أما وطني، فقد أصبح - للأسف - يُعرَف بشيء واحد يكاد يلازم المواطن في كل تفاصيل حياته: الطابور.


فالطابور عندنا لم يعد وسيلة لتنظيم الخدمات، كما هو الحال في الدول التي تحترم الإنسان ووقته وكرامته، بل تحول إلى أسلوب حياة، وعنوان يومي لمعاناة لا تنتهي. نستيقظ على طابور، ونمضي نهارنا بين طابور وآخر، ونختم يومنا بأمل أن يكون طابور الغد أقل قسوة، لكنه غالباً يكون أطول وأكثر إرهاقا.


تقف ساعات طويلة للحصول على أسطوانة غاز منزلي، وقد تمتد معاناتك إلى أيام. وتقف في طابور الوقود، لا لأن الوقود ترف تبحث عنه، بل لأنه ضرورة لا تستقيم الحياة بدونها. وتقف في طابور المياه، وكأن الحصول على شربة ماء أصبح إنجازا يستحق الاحتفال.


وإذا ظننت أن اللجوء إلى مستشفى خاص سيعفيك من هذه الدوامة، فستكتشف أنك انتقلت من طابور الانتظار إلى طابور الدفع، ثم إلى طابور المعاينة، ثم إلى طابور المختبر والصيدلية. حتى المرض في وطننا لم يعد يرحم صاحبه من ثقافة الاصطفاف والانتظار.


بل إن الطوابير لم تعد مرتبطة بالخدمات الأساسية فحسب، بل امتدت لتلامس تفاصيل الحياة اليومية؛ فالمواطن ينتظر الكهرباء، وينتظر الراتب، وينتظر المعاملة، وينتظر الفرج... حتى أصبح الانتظار نفسه هو الثابت الوحيد في حياة الناس.


يا للعجب! كيف يمكن لوطن يمتلك من الطاقات والثروات والإمكانات ما يؤهله للحياة الكريمة، أن يصبح المواطن فيه أسير طابور لا ينتهي؟ وكيف تحولت أبسط الحقوق إلى رحلة شاقة تستنزف الوقت والجهد والكرامة؟


إن الطابور في الدول المتقدمة دليل على النظام، أما في واقعنا فقد أصبح شاهدًا على غياب الإدارة، وعنواناً لفشل المؤسسات في توفير أبسط احتياجات المواطن. فالفرق بين الطابور هناك والطابور هنا، أن الأول ينتهي خلال دقائق، أما الثاني فقد يمتد أياماً، وربما يعود صاحبه منه خالي الوفاض.


ولو كان لا بد من اختيار رمزٍ يجسد واقعنا اليوم، لربما كان الطابور أصدق تعبيراً من كثير من الشعارات الرسمية؛ لأنه الصورة التي يراها المواطن كل صباح، ويعيشها كل مساء، ويحملها معه أينما ذهب. فهو الشعار غير المعلن الذي فرضته الممارسة، لا النصوص، وصنعه الواقع، لا الدساتير.


إن الأوطان لا تُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بقدرتها على صون كرامة الإنسان، وتوفير احتياجاته، واحترام وقته. وحين يصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة معركة يومية، فإن القضية لم تعد قضية خدمات فحسب، بل قضية إدارة ومسؤولية وإحساس بمعاناة الناس.


لكن يبقى السؤال حاضرا في ذاكرة الأجيال: كيف عاش الناس كل تلك السنوات وهم يقضون أعمارهم في الطوابير؟


إن المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن رفاهية زائدة، وإنما يطمح إلى حياة كريمة، لا يقضي نصف عمره منتظراً دوره للحصول على أبسط حقوقه.


فالوطن الذي يليق بأبنائه ليس بلد الطوابير، بل بلد الكرامة، والعدالة، وحسن الإدارة، واحترام الإنسان. وعندما يتحقق ذلك، ستختفي الطوابير من حياتنا، ويبقى الوطن وحده حاضراً في القلوب، كما ينبغي أن يكون.