آخر تحديث :الجمعة-04 سبتمبر 2026-03:46م

تعز.. حين تموت الوطنية جوعًا وتبقى المكنسة آخر ما تبقّى من شرف الوطن

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 04:27 م
موسى المليكي


في تعز، حيث تتزاحم الجراح في الشوارع كما تتزاحم الوجوه المتعبة، وحيث صار المواطن يعتاد رؤية الخراب حتى يكاد يراه جزءًا من المشهد الطبيعي للمدينة، ثمة مشهد صغير، عابر في نظر كثيرين، لكنه أكبر من أن يُختزل في امرأة تحمل مكنسة.

إنها امرأة تعمل في النظافة.

وقد يبدو الأمر عاديًا جدًا لمن اعتادوا المرور بجانب عمال النظافة دون أن يلتفتوا إليهم، لكنه ليس عاديًا على الإطلاق إذا نظرنا إليه بعين الوطن لا بعين العابرين الأثنين 17اغسطس 2026، الثانية عشرة ظهرًا.الشمس في كبد السماء، والحرارة في ذروتها، والشارع يختزن غبار المدينة وروائح نفاياتها وآثار الإهمال المتراكم. وفي قلب هذا المشهد، كانت امرأة بثياب مدنية سوداء رثة، تمسك بيدها اليمنى مكنسة بدائية مصنوعة من سعف النخيل، وبيدها اليسرى كيسًا من أكياس الدقيق.

كانت منحنية الظهر، لا كمن انكسر من التعب فحسب، وإنما كزاهد يؤدي طقسًا يوميًا في محراب لا يراه أحد.

لكنها لم تكن تصلي.

كانت تنظف.

تتحرك بسرعة لافتة، تنتقل من موضع إلى آخر، تجمع ما تركه الآخرون خلفهم من نفايات. كانت المكنسة في يدها تتحرك بخفة عجيبة، وكأنها فراشة صغيرة تطارد القبح في شارع أنهكه الإهمال.

توقفت طويلًا أمام هذا المشهد.

قلت في نفسي: أي وطن هذا الذي يحتاج إلى امرأة بهذه الملابس البالية، وبهذه المكنسة المتواضعة، لكي يحافظ على وجهه؟

وأي مفارقة أكبر من أن يكون أكثر الناس التصاقًا بالوطن هم أولئك الذين لا يملكون منه إلا راتبًا هزيلًا ومكنسة وكيسًا لجمع ما يرميه الآخرون؟

امرأة تمحو أخطاء الآخرين

بدت لي تلك المرأة كفنانة تقف أمام لوحة مشوهة.

لكنها لم تكن تحمل فرشاة ولا ألوانًا.

كانت تحمل ممحاة.

كل حركة من مكنستها كانت محاولة لمحو خطأ جديد ارتكبه عابر، أو