آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-05:49م

عدن لا تحتاج إلى مزيد من الكلام .. عدن تحتاج إلى إنقاذ

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 07:29 م
ناصر بجنف


عدن اليوم لا تعيش أزمة واحدة بل تعيش أزمة حياة كاملة.


الكهرباء غائبة أو متقطعة لساعات طويلة والمياه شحيحة والغاز المنزلي أصبح الحصول عليه معركة يومية والمواطن يقف في الطوابير تحت حرارة الشمس بحثًا عن أسطوانة غاز أو أبسط مقومات الحياة.


وفي الوقت الذي تتفاقم فيه هذه الأزمات تتواصل الاجتماعات والتصريحات والوعود الحكومية دون أن يشعر المواطن بأن هناك حلولًا جذرية تضع حدًا لمعاناته. وقد شهدت عدن خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا شعبيًا ومطالبات واضحة بتحسين الكهرباء والمياه والغاز والمرتبات والخدمات الأساسية.


والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو


إلى متى ستظل الحكومة تتعامل مع أزمات عدن بمنطق المسكنات؟


كل صيف تتكرر المشكلة وكل أزمة تبدأ معها الاجتماعات واللجان والتصريحات والوعود ثم يعود المواطن إلى بيته بلا كهرباء وبلا ماء وبلا غاز بينما تستمر المعاناة وكأنها أصبحت أمرًا طبيعيًا.


عدن لا تريد بيانًا جديدًا ولا اجتماعًا جديدًا ولا وعودًا جديدة.


عدن تريد خطة إنقاذ حقيقية ومحاسبة واضحة وحلولًا جذرية ووقف العبث والفساد والاحتكار وتجار الأزمات.


ومن غير المقبول أن يتحول غياب الخدمات إلى سوق مفتوحة يستفيد منها من يملك القدرة على الاحتكار والمتاجرة بمعاناة الناس. أزمة الغاز تحديدًا وصلت إلى مرحلة دفعت بعض الأسر إلى البحث عن الحطب كبديل بعد تراجع توفر الغاز المنزلي.


المطلوب من الحكومة أن تكشف أين تذهب الموارد ومن المسؤول عن الخلل ومن يعبث بسوق الغاز والمشتقات ولماذا تتكرر الأزمات دون معالجة مستدامة.


نحن لا نحتاج إلى مسؤول يشرح لنا حجم المشكلة فالمواطن يعيشها كل يوم.


نحتاج إلى مسؤول يقول ماذا سيفعل ومتى سيفعل ومن سيحاسب إذا فشل.


وفي الوقت نفسه هناك رسالة يجب أن تُقال بصراحة إلى بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم ناشطين ومؤثرين وأصواتًا للرأي العام.


عدن ليست مسرحًا للمزايدات وليست ساحة لتصفية الحسابات بين الناشطين والمؤثرين.


من يملك منصة إعلامية أو عددًا كبيرًا من المتابعين عليه مسؤولية أخلاقية تجاه الناس لا أن يتحول صوته إلى وسيلة للتطبيل والإشادة لمن يدفع أو الهجوم على من لا يدفع.


لسنا ضد أحد ولا نهاجم الأشخاص لمجرد اختلافهم لكننا ضد أن يتحول الرأي العام إلى سلعة وأن يصبح التطبيل وظيفة والهجوم وظيفة أخرى.


المؤثر الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر ولا من يملك أكبر عدد من المتابعين بل من يقف مع المواطن عندما يكون صوته مكلفًا وينقل الحقيقة حتى عندما لا تعجب أصحاب النفوذ.


لقد أصبح جزء من الشارع منشغلًا بمعارك الناشطين والمؤثرين وانقسم الناس بين هذه الفئة وتلك وبين بناكسه وعدارسه بينما حقوق المواطن تضيع في المنتصف.


وهنا نقولها بوضوح


كفى تشتيتًا للناس وكفى تحويل القضايا العامة إلى معارك شخصية وكفى استعراضًا أمام الكاميرات.


اتركوا المواطن يتحدث عن معاناته.


اتركوا عدن تتحدث عن كهربائها ومائها وغازها وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات.


لا تجعلوا الناس وقودًا لمعركة بينكم ولا تجعلوا معاناة المواطن مادة للتربح أو التطبيل أو المناكفة.


عدن ليست بحاجة إلى معركة بين أبنائها.


عدن بحاجة إلى أن يتوحد صوت أبنائها حول قضايا الناس وحول الكهرباء والماء والغاز والرواتب والصحة والتعليم والأمن والخدمات.


والمسؤولية لا تتوقف عند عدن وحدها فهناك مواطنون في أبين ولحج والضالع وشبوة وحضرموت يعيشون هم أيضًا أزمات ومعاناة تستحق أن تكون في مقدمة الاهتمام لا أن تتحول معاناة المحافظات إلى مادة للمناكفات السياسية والإعلامية.


إن ما يحدث اليوم أكبر من خلاف بين ناشطين وأكبر من حملة على مواقع التواصل وأكبر من خلاف بين طرفين.


إنها حياة مواطنين ينتظرون أبسط حقوقهم.


الحكومة مطالبة بالعمل والجهات المسؤولة مطالبة بالمحاسبة وتجار الأزمات مطالبون بالتوقف عن استغلال حاجة الناس ومن يملك منبرًا إعلاميًا مطالب بأن يستخدمه لخدمة الناس لا لخدمة من يدفع.


وفي المقابل لا بد أن تكون هناك حلول حقيقية لا مؤقتة.


الكهرباء تحتاج إلى إصلاح جذري لمنظومتها والمياه تحتاج إلى معالجة مستدامة والغاز يحتاج إلى تنظيم ورقابة تمنع الاحتكار والتلاعب كما تحتاج المؤسسات إلى الشفافية والمحاسبة.


وقد ناقش المجلس الأعلى للطاقة اليوم الأربعاء الخطة الاستراتيجية لإصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة وهو أمر مهم إذا تحول من اجتماع إلى خطوات تنفيذية ملموسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع.


أما المواطن فقد وصل إلى مرحلة لم يعد يريد فيها أن يسمع من المخطئ فقط بل يريد أن يرى من سيصلح الوضع.


عدن تريد كهرباء.


عدن تريد ماءً.


عدن تريد غازًا.


عدن تريد خدمات.


عدن تريد دولة تعمل.


عدن تريد مسؤولًا يُحاسب عندما يفشل ويُشكر عندما ينجح.


والرسالة الأخيرة للجميع


حقوق الناس ليست منّة من أحد وليست هدية من حكومة وليست ورقة بيد ناشط أو مؤثر.


الخدمات حق والكرامة حق والحياة الكريمة حق.


ومن لا يستطيع أن يكون جزءًا من الحل فعليه على الأقل ألا يكون جزءًا من إطالة الأزمة.


عدن لا تحتاج إلى مزيد من الكلام. عدن تحتاج إلى إنقاذ.