هناك قضايا لا تحتاج إلى كثير من الشرح بقدر ما تحتاج إلى قلب يسمع، وضمير ينصت، ومسؤول يملك شجاعة الوقوف في المكان الذي يقف فيه المظلومون.
ومن هنا، فإن هذه الكلمات ليست خصومة مع أحد، ولا بحثا عن استثناء، ولا محاولة للالتفاف على قانون أو نظام، وإنما هي مناشدة من القلب إلى القلب، ورسالة إلى من يتولى مسؤولية التربية والتعليم في محافظة أبين، وإلى السلطة المحلية التي تملك، بإذن الله، القدرة على معالجة ما يمكن معالجته.
*إلى الدكتور نبيل مهيم، قائد هرم التربية والتعليم في محافظة أبين:*
لا تجعل الصفعة الأولى التي يتلقاها من خدموا في سلك التربية والتعليم هي أول ما يبدأ به عهدكم من تحديات، ولا تجعلوا نهاية خدمة المعلم والإداري الذي أفنى عمره في المدارس والإدارات، وفي أصعب الظروف وأشدها، بداية لمعاناة جديدة لم يكن له فيها يد ولا اختيار.
نحن نعرفكم من قبل أن تتحملوا مسؤولية التربية والتعليم، ونعرف أنكم دخلتم هذا المرفق وأنتم تدركون أن التربية ليست وظيفة إدارية فحسب، وإنما هي بيت القصيد، وقلب المجتمع، وذاكرة أجياله، ومستقبل أبنائه.
ولهذا نخاطب فيكم الإنسان قبل المسؤول، ونخاطب فيكم روح المربي قبل موقع المدير.
*أكثر من ألف أسرة تنتظر الإنصاف*
هناك ما يقارب ألف معلم وإداري، وربما يزيد العدد، وصلوا إلى سن التقاعد بعد سنوات طويلة من الخدمة في التربية والتعليم.
هؤلاء لم يكونوا أرقاما في كشوفات الرواتب، ولم يكونوا أسماء عابرة في سجلات الموظفين؛ كانوا جزءا من مسيرة التعليم، حملوا رسالة التربية في أيام لم تكن الظروف فيها رحيمة، وعملوا في بيئات شاقة، وتحملوا من المشقة ما لا يعرف تفاصيله إلا من عاشها.
واليوم، بعد أن أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة التعليم، يجد بعضهم نفسه أمام معركة جديدة تتعلق بحقوق وتسويات وإجراءات إدارية لم يكن طرفا في صناعتها.
*وهنا يصبح السؤال مشروعا:*
هل يعقل أن تكون نهاية خدمة من أفنى عمره في التعليم بداية لمعاناة جديدة؟
إن إحالة هذا العدد الكبير إلى التقاعد من دون معالجة حقوقهم وتسوياتهم المستحقة، لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إداري عابر؛ فخلف كل اسم في تلك القوائم أسرة، وأبناء، واحتياجات، وعمر كامل من العمل.
*المشكلة ليست في التقاعد... بل في الحقوق*
نحن لا نعترض على التقاعد من حيث المبدأ، ولا نطالب بإبقاء من استوفى شروطه في الخدمة إلى ما لا نهاية، وإنما نطالب بأن تتم الإجراءات بعدالة ووضوح، وأن يحصل الموظف على حقوقه كاملة، وأن يعرف ما له وما عليه، وألا يتحمل تبعات قرارات أو تعاميم لم يكن يعلم بها ولم يكن طرفا في إصدارها.
وبحسب ما وصل إلينا، فإن بعض التعاميم والإشعارات التي ترتب عليها إسقاط التأمين أو ما يتصل به كانت قد صدرت في فترات سابقة، ولم تصل إلى جميع الموظفين المعنيين بالصورة التي تمكنهم من معرفة آثارها ونتائجها.
*وهنا تبرز قضية جوهرية:*
كيف يحمل الموظف وحده تبعات إجراء لم يعلم به، ولم يطلبه، ولم تتح له فرصة التعامل معه في حينه؟
وهذه ليست دعوة إلى تجاوز القانون، بل هي دعوة إلى تطبيق القانون بروحه وعدالته، والتحقق من الوقائع قبل تحميل الموظف نتائج قرارات إدارية سابقة.
كما أن توجيهات سابقة للسلطة المحلية، ومنها ما نُسب إلى المحافظ السابق اللواء أبوبكر حسين سالم بشأن إعادة الاستقطاعات غير القانونية بما ينسجم مع قانون الخدمة المدنية، ينبغي أن تكون محل مراجعة ودراسة من الجهات المختصة، حتى تتضح الصورة كاملة، ويعرف كل صاحب حق طريقه إلى حقه.
*دكتور نبيل... هذا أول اختبار حقيقي للتحدي*
لقد حدثتم مديري إدارات التربية في المحافظة عن وجود سلطة محلية ممثلة بالمحافظ، وعن طموح للارتقاء بالتربية والتعليم وسائر مؤسسات الدولة.
ونحن نصدق أن الطموح الحقيقي لا يقاس بالكلمات التي تقال في الاجتماعات، وإنما بالمواقف التي تتخذ عندما تكون أمام المسؤول قضية شائكة، وأناس ضعفاء، وملف قديم تراكمت عليه سنوات من الإهمال.
*وهنا تحديدا يظهر معدن المسؤول.*
فالقائد لا يُختبر عندما تكون الأمور سهلة، وإنما عندما يجد أمامه ملفا ثقيلا، وحقوقا متشابكة، ومظالم قديمة، وفئة لا تملك إلا صوتها.
*ولهذا نقول لكم بكل احترام:*
يا دكتور نبيل، إن هذه القضية هي أحد ميادين التحدي الحقيقي أمامكم.
ونحن نظن بكم خيرا، لما سمعناه عن مثابرتكم وجدكم واجتهادكم، ونأمل أن يكون هذا الملف بداية لمعالجة عادلة، لا سببا في إضافة ألم جديد إلى أناس حملوا التربية على أكتافهم سنوات طويلة.
*عمود الخيمة مائل... فهل نتركها تسقط؟*
التربية والتعليم خيمة كبيرة.
وفي هذه الخيمة يجلس المعلم، والإداري، والطالب، وولي الأمر، والمجتمع كله.
والمتقاعدون الذين أفنوا أعمارهم في هذه المؤسسة ليسوا أطرافا هامشية يمكن تجاوزها، بل هم جزء من أعمدة هذه الخيمة.
وإذا مال عمود من أعمدتها، فإن الخوف ليس على العمود وحده، وإنما على الخيمة كلها.
لذلك فإن سرعة معالجة هذه القضية، وفتح ملفها بشفافية، ومراجعة الإجراءات السابقة، والتأكد من الحقوق والتسويات، ليست انتصارا لفئة على أخرى، وإنما إنقاذ لخيمة التربية والتعليم من أن يزداد ميلها حتى تسقط على الجميع.
*نحن لا نطلب رفاهية... نطلب الحد الأدنى من الحياة*
يا دكتور نبيل، ويا قيادة السلطة المحلية في أبين:
إن الموظف اليوم لا يبحث عن حياة مترفة، ولا ينتظر راتبا يجعله من أصحاب الثراء.
هو يريد فقط أن يشعر أن راتبه أو مستحقاته تستطيع أن تمنحه الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
فماذا يفعل راتب لا يكفي لأبسط الضروريات؟
وماذا يفعل موظف قضى عقودا من عمره في خدمة الدولة، ثم وجد أن دخله لا يكاد يلامس احتياجات أسرته الأساسية؟
إن أغلب الرواتب لم تعد تفي بشيء من أبسط الحقوق، فكيف يصبح الحل هو إسقاط المزيد من الحقوق التي يستند إليها الموظف في مواجهة قسوة الحياة؟
*هذا هو لسان حال من طال عمره، وكثر عمله، وقل ماله، وتبدلت عليه الأيام والظروف.*
وهذا هو صوت المتقاعدين الذين لم تعد ملامحهم كما كانت يوم دخلوا الوظيفة؛ فقد غيرتهم السنون، وأثقلتهم الظروف، وترك الزمن على وجوههم آثار رحلة طويلة اسمها: خدمة التربية والتعليم.
*كلمة أخيرة... من القلب*
يا دكتور نبيل مهيم،
لسنا هنا لنضعكم في مواجهة الماضي، ولا لنحملكم أخطاء سنوات لم تكونوا طرفا فيها.
بل نطلب منكم أن تكونوا جزءا من الحل.
افتحوا الملف، راجعوا الإجراءات، اسمعوا للمتقاعدين، استدعوا الجهات المختصة، تحققوا من التعاميم، وانظروا في الحقوق والتسويات بعين القانون والعدل والإنصاف.
ومعكم السلطة المحلية ممثلة بالمحافظ الدكتور الرباش، فإننا نأمل أن تجدوا مخرجا يحفظ للموظف حقه، وللمؤسسة هيبتها، وللقانون مكانته، وللسلطة ثقة الناس بها.
فليس أعظم من مسؤول يملك القدرة على رفع الظلم، ثم يختار أن يفعل.
وليس أجمل من قرار إداري تنام بعده أسرة فقيرة وهي مطمئنة إلى أن حقا من حقوقها لم يضع.
هذه ليست مناشدة موظف واحد.
إنها صرخة شريحة واسعة من أبناء التربية والتعليم.
إنها رسالة من الذين خدموا بالأمس، ويطلبون اليوم ألا تكون سنوات خدمتهم صفحة تطوى بمجرد بلوغهم سن التقاعد.
فهل من مجيب؟
وهل يكون الدكتور نبيل مهيم، ومعه المحافظ الدكتور الرباش، عند حسن الظن، فيضعان حدا لهذا القلق، ويفتحان بابا للمعالجة العادلة؟
*نحن ننتظر موقفا يليق بمن حملوا رسالة التعليم.*
*فلا تجعلوا التقاعد نهاية الوفاء... بل اجعلوه آخر محطة من محطات التكريم والإنصاف.*