هناك أسر لا تكتفي بأن تعبر صفحات التاريخ، بل تترك بصمتها في ذاكرة الأرض والناس، وتحفر حضورها في القلوب بما قدمته من عرق ووفاء وكرم ونبل. أسر لا تصنع مجدها بالضجيج، ولا تبحث عن الشهرة، وإنما تبنيه يوما بعد يوم بأيدي أبنائها، وبما يتركونه خلفهم من سيرة طيبة وأثر حسن.
ومن بين تلك الأسر التي ارتبط اسمها في ذاكرة الناس بالعمل والكفاح والوفاء، تبرز أسرة «آل خليل»؛ أسرة عرفت طريقها إلى قلوب الناس بما عرفت به من شهامة وكرم، وما قدمته لمجتمعها من خدمة وعطاء.
لقد اتخذ أبناء هذه الأسرة من الحدادة حرفة وميدانا للعمل، فكانت علاقتهم بالحديد أشبه بحكاية طويلة بين قسوة المعدن ودفء اليد الإنسانية. كانوا يواجهون صلابة الحديد بالصبر والخبرة والإتقان، ويحولونه بأيديهم إلى أدوات تخدم الإنسان وتعينه على الزراعة وشؤون الحياة.
لم تكن المطرقة في أيديهم مجرد أداة لضرب الحديد، بل كانت جزءا من رحلة كفاح؛ ضربة تتبعها ضربة، وعرق يتلوه عرق، حتى يخرج من النار والحديد ما يحتاج إليه الفلاح وأهل البيت.
وهكذا صار العمل عندهم أكثر من حرفة؛ صار كرامة، وأمانة، وخدمة للناس، ومصدرا لرزق حلال.
*من «أمجبلة»... بدأت الحكاية*
كان الجذر الأول لهذه الأسرة في المنطقة الوسطى بمحافظة أبين، وتحديدا في قرية «أمجبلة» بمديرية مودية. ومن تلك الأرض التي احتضنت بداياتهم، امتدت خطواتهم إلى القرى والأسواق المجاورة، يحملون على أكتافهم ثمرة صناعتهم، ويقطعون المسافات بحثا عن الرزق وخدمة الناس.
كانت قوافلهم تجوب الأسواق، تحمل أدوات الزراعة ومستلزمات البيوت وما تنتجه أيديهم من مصنوعات الحديد، وتتجه إلى أسواق اشتهرت بها المنطقة، ومنها:
سوق مودية، المعروف بسوق السبت.
سوق لودر، المعروف بسوق الأحد.
سوق أمصرة، يوم الخميس.
سوق الوضيع، يوم الثلاثاء.
وكانت الحياة التجارية في ذلك الزمن مختلفة عن صورتها اليوم؛ فلم يكن المال هو سيد المعاملات دائما، بل كان التبادل بالمحاصيل والسلع جزءا من حياة الناس، فيتبايعون بالحبوب، كالسمسم والذرة والدخن وغيرها، في صورة تختلط فيها التجارة بالتكافل، والحاجة بالمروءة، والرزق بالتراحم.
كان الناس يعرفون بعضهم بعضا، ويعرفون قيمة الكلمة والذمة، وكان ما بين البائع والمشتري يتجاوز حدود الصفقة إلى معنى أوسع من الثقة والمعرفة وحسن الجوار.
*نحو «السواد»... رحلة البحث عن الرزق والاستقرار*
وكما تفعل الحياة بأبنائها، حملت الأيام بعض أبناء «آل خليل» إلى مناطق أخرى من أبين؛ فتوزع حضورهم بين مودية والوضيع وأمصرة وغيرها من الأماكن، حتى اتجه فريق منهم إلى عمق مديرية الوضيع، نحو منطقة «السواد»، حيث استقروا هناك، بحسب الرواية المتداولة في الأسرة، في أربعينيات القرن الماضي.
وكان لهذا الاستقرار سند اجتماعي كريم، تمثل في شخصية قبلية ذات مكانة وتأثير في المنطقة، هو الشيخ فضل مقبل المحنشي، الذي سار على نهجه من بعده ابنه الشيخ محمد فضل مقبل.
وكان من أوائل الوافدين إلى تلك الديار الوالد سالم هادي خليل وأخوه فضل هادي.
وفي قرية «الحردوب» بدأت صفحة جديدة من حكاية الأسرة؛ صفحة ارتبطت بالأرض والزراعة وخدمة الناس، حتى أخذ حضورهم يتسع مع مرور الزمن.
ومع استقرارهم، أصبحت الحردوب نقطة جذب للمزارعين، ونمت فيها مقومات الحياة، حتى غدت حاضنة لعدد من الخدمات الأساسية، ومنها المدرسة والوحدة الصحية، وصارت منازل «آل خليل»، إلى جوار بيت الشيخ فضل مقبل، جزءا من النسيج الاجتماعي للقرية، ومعلما من معالم حضورها الإنساني.
ولم يكن أبناء الأسرة جميعا في مكان واحد؛ فقد تنقل بعضهم بين الحردوب وجبلة أموزنة، فيما امتد حضور آخرين، مثل مقصم ومكمح وغيرهما، بين أمجبلة وعدن ومدينة الوضيع وقرية الحردوب.
ومع تعاقب السنوات، رحل أفراد ذلك الجيل، وتبدلت الأمكنة، وبقي من ذلك الرعيل في تراب الحردوب الأستاذ المربي الفاضل علي سالم هادي خليل، حاملا في ذاكرته شيئا من حكاية الآباء، وذاكرتهم، وأيامهم التي مضت ولم تمض آثارها.
*حين يصبح السلوك بابا إلى المحبة*
قد يبدو للوهلة الأولى أن ورش الحدادة ليست سوى أماكن يعلو فيها صوت المطرقة، وتتوهج فيها النار، ويتصاعد منها دخان العمل الشاق.
لكن ورش «آل خليل» كانت، في ذاكرة الناس، شيئا آخر.
كانت أماكن للعمل، ومجالس للناس، وأبوابا للرحمة.
كانوا يصلحون أدوات المزارعين ويصنعون ما يحتاجون إليه من أدوات، ويأخذون مقابل عملهم أجرا يسيرا، ويراعون أحوال الناس وظروفهم. فإذا جاءهم فقير أو معسر لا يستطيع الدفع، لم يجعلوا الحاجة حاجزا بينه وبين ما يحتاج إليه.
وكان من صور الوفاء للناس أن ينتظروا الفلاح حتى يحصد محصوله، ثم يأتي بما يستطيع من الحبوب أو غيرها، في صورة تعكس فهما عميقا لمعنى الستر على المحتاج، والتيسير على المعسر، وصون كرامة الإنسان.
لم يكن الرزق عندهم رقما يحسبونه، بل كان قبل ذلك بركة يبحثون عنها.
وكانت أبواب منازلهم، على بساطتها وتواضعها، تتسع للأيتام والضعفاء والجوعى. يأتي المحتاج مثقلا بالحاجة، ويخرج وقد وجد من الطعام والطمأنينة وحسن المعاملة ما يخفف عنه وطأة يومه.
ولذلك لم تكن الحبوب التي يحصلون عليها ثمنا لجهدهم مجرد مؤونة تخزن في البيوت، بل كانت، في كثير من الأحيان، رصيدا للخير.
وهنا تكمن عظمة الحكاية: فقد كان الحديد في أيديهم قاسيا، لكن قلوبهم لم تكن كذلك.
*منازل بسيطة... وقلوب كبيرة*
في حياة البسطاء أشياء لا تكتبها سجلات التاريخ، لكنها تبقى في ذاكرة الناس أطول من كثير من الأحداث الكبيرة.
فكم من جائع طرق بابا، فأطعم!
وكم من محتاج قصد مكانا، فعاد مرفوع الرأس!
وكم من مزارع لم يجد ثمن ما يحتاج إليه، فوجد من يراعي حاله وينتظر حتى يأتي موسم الحصاد!
هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي التي تصنع السيرة الكبيرة في حقيقتها.
فالمجد لا يكون دائما في القصور، ولا في كثرة المال، ولا في المناصب؛ فقد يكون المجد في يد خشنة من أثر العمل، وقلب رقيق يعرف حاجة الآخرين.
وهكذا بقيت سيرة «آل خليل» مرتبطة في ذاكرة من عرفوهم بالعمل والكرم ومراعاة أحوال الناس، حتى غدت الحكاية أكبر من حكاية أسرة امتهنت الحدادة؛ إنها حكاية جيل عرف كيف يجعل من مهنته وسيلة للعيش، ومن رزقه بابا للعطاء، ومن وجوده بين الناس قيمة تضاف إلى المجتمع.
*تبادل الوفاء بالوفاء*
ومع مرور السنوات، تفرقت مسارات الأبناء، كما هي سنة الحياة.
انتقل عبدالله سالم بأسرته إلى مدينة عدن في ثمانينيات القرن الماضي، وهناك وافته المنية، بينما ظل الأستاذ علي سالم في الحردوب، حاملا شيئا من ذاكرة الآباء، ومقيما بين الأرض التي عرفوها والناس الذين أحبوا حضورهم.
أما الوالد سالم هادي، فقد قضى نحبه في الحردوب، وظل اسمه حاضرا في ذاكرة من عرفوه.
وكان معروفا بعنايته بنظافته الشخصية، ومن الطرائف التي بقيت عالقة في ذاكرة الناس أنه كان لا يشرب قهوته إلا في الكأس الذي يحمله معه في رحلاته.
ولعل أجمل ما يكشف عن عمق علاقته بالسواد وأهلها، أنه أوصى بأن يدفن في مقبرتها، وكأنه أراد أن تكون رحلته الأخيرة إلى المكان الذي احتضن سنوات من حياته، واحتفظ بذكريات عمره.
كانت وصيته الأخيرة أشبه برسالة صامتة تقول إن الإنسان قد يرحل عن المكان بجسده، لكنه لا يرحل عنه بقلبه.
وقد كان لأهالي المنطقة، وعلى رأسهم أبناء قرية الحردوب الأوفياء من آل أمحنش، موقف يليق بهذه الوصية؛ فوفوا له بما أحب، وأكرموه بما يستحق، واحتضنت أرض السواد جسده كما احتضنت في حياته خطاه وذكرياته.
وهنا تكتمل دائرة الوفاء:
رجل أحب أرضا وأهلها، فأوصى أن يحتضن ترابها جسده؛ وأهل أحبوه، فحفظوا وصيته وأكرموه بعد رحيله.
*حكاية لا ينبغي أن تموت*
إن سيرة «آل خليل» ليست حكاية حدادين فحسب، ولا قصة أسرة انتقلت من قرية إلى أخرى بحثا عن الرزق.
إنها، في جوهرها، حكاية الإنسان حين يصنع قيمته بعمله، ويثبت حضوره بأخلاقه، ويترك وراءه أثرا لا تزيله السنوات.
هي حكاية الحديد الذي كان يلين تحت ضربات المطرقة، وحكاية القلوب التي كانت تلين أمام حاجة الفقير.
حكاية أناس عرفوا أن الرزق ليس فيما تملك اليد فقط، بل فيما تمنحه أيضا.
وأن الإنسان لا يقاس بما جمعه لنفسه، وإنما بما تركه في قلوب الآخرين من ذكر طيب.
لقد مضت سنوات طويلة، وتغيرت الأسواق، وتبدلت طرق الحياة، ورحل رجال كان لهم حضورهم في ذاكرة المكان، لكن بعض الحكايات لا تشيخ؛ لأنها لا تعتمد على الأشخاص وحدهم، بل على القيم التي عاشوا بها.
ومن هنا فإن حفظ مثل هذه السير ليس ترفا أدبيا، بل هو حفظ لذاكرة المجتمع، وتوثيق لحياة جيل من الكادحين الذين بنوا حياتهم بعرق جباههم، وربطوا العمل بالكرامة، والرزق بالعطاء، والجيرة بالوفاء.
*ويبقى العطر بعد الرحيل*
سلام على من عاشوا بين الناس بقلوب بيضاء، ومضوا تاركين خلفهم سيرة لا تحتاج إلى كثير من الزينة كي تزداد جمالا.
سلام على رجال «آل خليل» الذين حملوا الحديد بأيديهم، وحملوا هموم الناس في قلوبهم.
سلام على سالم هادي وفضل هادي، وعلى كل من جاء بعدهما وحمل شيئا من إرثهما، وعلى كل بيت من بيوت الأسرة امتدت منه يد إلى محتاج، أو خرجت منه كلمة طيبة، أو بقي فيه شيء من الوفاء للأرض والناس.
حفظ الله آل خليل أينما حلوا وارتحلوا، وأدام بينهم المحبة، وجعل لهم من جميل الذكر نصيبا لا ينقطع.
ورحم الله من رحل منهم، وحفظ من بقي، وأبقى سيرتهم الطيبة شاهدة على زمن كان فيه الكادح يصنع من مهنته كرامة، ومن رزقه بركة، ومن علاقته بالناس أخوة ووفاء.
ولأبناء الوضيع عامة، ولأهل السواد خاصة، ولأبناء الحردوب وآل أمحنش، أصدق التحية والتقدير والاحترام.
فقد تتغير الوجوه، وتتبدل الأزمنة، وتغلق الورش أبوابها، ويهدأ صوت المطرقة بعد أن كان يملأ المكان، لكن أثر الإنسان الصالح لا يصدأ كما يصدأ الحديد؛ لأنه محفوظ في ذاكرة الناس.
وهكذا تبقى حكاية «آل خليل»؛
ملحمة وفاء بدأت من أمجبلة، وعبرت أسواق مودية ولودر وأمصرة والوضيع، ثم استقرت في السواد، لتقول للأجيال إن أشرف ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالا ولا بناء، بل سيرة طيبة، وقلوبا تدعو له، وأرضا أحبها وأحبته.