آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:44ص

أزمة الممرات المائية والبدائل المتاحة لدى العرب

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 05:53 م
د. سلطان مشعل


ليست الأزمات الاقتصادية والتجارية الكبرى مجرد أزمات في حركة السلع والطاقة ورؤوس الأموال؛ ففي جوهرها هي أزمات في الجغرافيا السياسية للممرات. وحين تصبح التجارة العالمية رهينة لمضيق أو قناة أو طريق بحري واحد فإن الاقتصاد يتحول بالضرورة إلى وظيفة من وظائف الأمن والاستراتيجية.

وقد علّمنا التاريخ أن إغلاق الطرق لا يعني بالضرورة نهاية الحركة وإنما قد يكون بداية لاكتشاف طرق جديدة. فالدول والحضارات التي واجهت اختناقات في شرايينها التجارية اضطرت إلى إعادة التفكير في الجغرافيا ذاتها والبحث عن بدائل للمسارات التي أصبحت مكلفة أو مهددة أو خاضعة لخصومها.

فإذا كانت الممرات البحرية التقليدية معرضة للاضطراب فلماذا لا تتحول الأزمة إلى حافز لإعادة بناء شبكة عربية متعددة المسارات تجمع البر والبحر والجو وربما مستقبلاً التقنيات العابرة للحدود والفضاء؟


-التاريخ حين يدفع الجغرافيا إلى التغيير


حين واجهت أوروبا خلال العصور الوسطى والحديثة المبكرة قيوداً على وصولها المباشر إلى طرق التجارة الشرقية ولا سيما بعد توسع النفوذ العثماني وسيطرته على أجزاء واسعة من طرق العبور بين أوروبا والشرق لم تتعامل القوى الأوروبية مع الأمر باعتباره قدراً جغرافياً نهائياً.

بل بدأت عملية بحث واسعة عن البدائل.

فكانت الكشوف الجغرافية الكبرى بمختلف دوافعها الاقتصادية والسياسية والدينية تعبيراً عن هذه الرغبة في تجاوز الاختناق الجغرافي. فانطلقت الرحلات البحرية التي ارتبطت بأسماء كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا غاما وفرديناند ماجلان وأمريكو فسبوتشي وغيرهم وتحوّل البحر من حاجز إلى طريق.

وكان اكتشاف الطريق حول رأس الرجاء الصالح إلى المحيط الهندي نقطة تحول كبرى؛ إذ أتاح للأوروبيين الوصول إلى أسواق الشرق عبر مسار بحري يتجاوز حلقات التحكم في الطرق البرية والبحرية.

ثم اتسعت دائرة البدائل وظهرت أمام أوروبا مجالات جغرافية وديموغرافية واقتصادية جديدة قبل أن تتحول هذه الاكتشافات لاحقاً إلى أدوات للتوسع الاستعماري وإعادة توزيع القوة والثروة على مستوى العالم ولتُسجل هنا أهم دروس التاريخ.

فالطريق الذي يبدو مغلقاً اليوم قد يكون دافعاً إلى اكتشاف طريق آخر غداً والأزمة التي تبدو في ظاهرها حصاراً قد تتحول إذا أُديرت بذكاء إلى محفز لإعادة بناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعاً وأقل هشاشة.


-من هرمز وباب المندب إلى سؤال البديل


العالم العربي اليوم أمام معادلة مشابهة وإن كانت مختلفة في تفاصيلها فمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ليست مجرد ممرات مائية؛ إنها عقد استراتيجية في شبكة التجارة والطاقة العالمية. وأي اضطراب مستمر في أحدها ينعكس على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتأمين والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

لكن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: كيف نحمي هذه الممرات؟

بل ينبغي أن يكون:

كيف نبني منظومة لا تعتمد على ممر واحد أو ممرين بحيث لا يتحول إغلاقهما أو أحدهما إلى شلل شامل؟

وهذا هو جوهر مفهوم تنويع الممرات والشرايين التجارية.

فالأمن الاقتصادي الحديث لا يقوم فقط على حماية الطريق القائم وإنما على امتلاك أكثر من طريق وأكثر من وسيلة نقل وأكثر من بديل جغرافي.

ومن هذه الزاوية تبدو إعادة الاعتبار إلى الممر البري العربي فكرة تستحق الدراسة الجادة.


-اليمن والشام، شريان تاريخي قابل لإعادة البناء


بين اليمن والشام علاقة جغرافية وتاريخية أقدم من الحدود السياسية الحديثة.

لقد مثّلت المنطقة الممتدة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها أحد أهم المجالات التي تحركت فيها التجارة والبشر والثقافات والأفكار. وتقدم الإشارة القرآنية إلى رحلتي الشتاء والصيف دلالة مهمة على انتظام حركة التجارة بين المجالات الجنوبية والشمالية للعالم عبر الجزيرة العربية.

كما أن المكانة التاريخية لمدن الشام واليمن في شبكات التجارة القديمة تؤكد أن الجزيرة العربية لم تكن فضاءً معزولاً بل كانت جزءاً من شبكة أوسع تصل البحر الأحمر بالمتوسط والمحيط الهندي بشرق المتوسط وجنوب الجزيرة بشمالها.

ومن هنا يمكن النظر إلى إعادة إحياء طريق تجاري بري حديث بين اليمن والشام عبر الجزيرة العربية باعتبارها إعادة توظيف لجغرافيا تاريخية في إطار اقتصادي معاصر.

فاليمن يتمتع بموقع يفتح باتجاه المحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب آسيا بينما يفتح الشام باتجاه شرق المتوسط وأوروبا وعمق آسيا.

وبين المجالين يمكن إنشاء ممر بري وتجاري متدرج يرتبط بشبكات السكك الحديدية والطرق الحديثة والموانئ والمناطق اللوجستية،د بحيث يصبح جزءاً من منظومة أوسع لا بديلاً وحيداً عن البحر.


-البر والبحر والجو: نحو منظومة متعددة الشرايين


الفكرة الأساسية هنا ليست إلغاء الممرات البحرية، لكن الاستراتيجية الأكثر عقلانية هي عدم وضع كل حركة التجارة في عنق زجاجة جغرافي واحد.

ويمكن تصور المنظومة المستقبلية على ثلاثة مستويات:

أولاً: الممر البري

بإعادة بناء شبكة طرق تجارية تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها وتتصل بالمشرق العربي وشرق المتوسط بما يسمح بتحويل جزء من حركة السلع إلى البر عند حدوث اضطرابات بحرية.

ثانياً: الممر البحري المتعدد بتطوير الموانئ العربية وربطها بشبكات لوجستية تسمح بإعادة توزيع حركة التجارة بين أكثر من ميناء وأكثر من مسار بحري بدلاً من الارتهان لعقدة واحدة.

ثالثاً: الممر الجوي، إن الاستثمار في الشحن الجوي والمطارات والمناطق اللوجستية يمكن أن يوفر مساراً سريعاً للسلع ذات القيمة العالية أو الحساسة للوقت خصوصاً في حالات الطوارئ.

وهكذا يصبح مفهوم الأمن التجاري قائماً على تعدد الوسائط لا على وسيلة واحدة.

رابعاً: ما تحت البحر

إذا كان البر والبحر والجو مسارات معروفة فإن المستقبل قد يفتح الباب أمام مستوى آخر من التكامل اللوجستي.

فمشروعات الربط عبر الأنفاق والمنشآت العابرة للمسطحات المائية ليست مجرد خيال علمي؛ إذ تتطور تقنيات الحفر والأنفاق والهندسة البحرية بصورة متسارعة.

ومن هنا يمكن على المدى البعيد دراسة إمكانات الربط البري أو اللوجستي تحت بعض المسطحات البحرية، وفقاً للجدوى الاقتصادية والبيئية والهندسية والأمنية.

لكن الأهم من المشروع ذاته هو الفكرة الاستراتيجية: ألا يبقى التفكير العربي محصوراً في الطرق التي يعرفها اليوم.

خامساً: قد يأتي الدور على الفضاء،

الذي يبدو اليوم بعيداً عن مفهوم التجارة التقليدية لكنه قد يتحول تدريجياً إلى بنية تحتية للاقتصاد العالمي.

فالأقمار الصناعية أصبحت جزءاً من منظومات الملاحة والاتصالات والمراقبة وإدارة سلاسل الإمداد والتنبؤ بالطقس وربما تتوسع وظائفها مستقبلاً إلى مستويات تجعل الفضاء أحد المكونات الأساسية للبنية التجارية العالمية.

وبذلك يمكن القول إن شرايين التجارة المستقبلية لن تكون كلها فوق الأرض فبعضها سيكون على سطحها وبعضها تحتها وبعضها في الجو وربما أصبح بعضها الآخر مرتبطاً بالفضاء.


-من إدارة الأزمة إلى صناعة البديل


المشكلة الحقيقية ليست في وجود أزمة جيوسياسية أو اقتصادية؛ فالأزمات جزء من حركة التاريخ.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأزمة إلى اعتماد دائم على مسار واحد.

ولهذا فإن المطلوب عربياً ليس فقط معالجة الانقطاعات الآنية وإنما الانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة البدائل.

فالدول التي تمتلك طريقاً واحداً يمكن حصارها.

أما الدول التي تمتلك شبكة من الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والممرات اللوجستية والبدائل الرقمية والتقنية فإن قدرتها على الصمود والمناورة تكون أكبر بكثير.

وهنا تلتقي الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بما تمتلكه الدولة من موارد وإنما أيضاً بقدرتها على تحريك تلك الموارد في أكثر من اتجاه وبأكثر من وسيلة وتحت أكثر من ظرف.


لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تتقدم دائماً عندما تكون الطرق مفتوحة بل قد تتقدم أحياناً عندما تُغلق الطرق أمامها فتضطر إلى البحث عن طرق جديدة.

وهذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة أوروبا في عصر الكشوف الجغرافية بعيداً عن تقييم نتائجها الاستعمارية والأخلاقية.

واليوم فإن اضطراب الممرات البحرية الحيوية ينبغي ألا يُقرأ فقط باعتباره تهديداً للأمن الاقتصادي العربي بل باعتباره إنذاراً استراتيجياً يدفع إلى إعادة التفكير في شبكة التجارة العربية بأكملها.

إن إعادة وصل اليمن بالشام وتطوير الممرات البرية وتحديث الموانئ وتوسيع الشحن الجوي وربط شبكات النقل والطاقة والاتصالات ليست مشروعات منفصلة بل يمكن أن تكون أجزاء من رؤية واحدة عنوانها:

بناء جغرافيا عربية متعددة الشرايين.

فإذا كان التاريخ قد علّمنا أن إغلاق الطريق يمكن أن يولد طريقاً جديداً فإن درس اللحظة الراهنة هو الأكثر وضوحاً.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: ماذا نفعل إذا أُغلق الطريق؟

بل: كم طريقاً نمتلك قبل أن يُغلق؟

وعندما تصبح للأمة طرق متعددة فوق الأرض وعلى البحر وفي الجو وتحت الأرض وفي الفضاء فإن الجغرافيا التي كانت يوماً مصدر اختناق يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة.

فالحصار قد يغلق ممراً لكنه لا يستطيع إغلاق فكرة البديل.