كانت ثورة 26 سبتمبر 1962 مشروعا وطنيا هدفه بناء جمهورية تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وإنهاء الامتيازات التي جعلت المجتمع اليمني طبقات متفاوتة في الحقوق والفرص
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بشجاعة هو ماذا حدث لهذا الهدف بعد قيام الجمهورية
من وجهة نظري فإن أحد أبرز الانحرافات التي شهدتها التجربة الجمهورية تمثل في إعادة إنتاج النفوذ القبلي والمشيخي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع بصورة عززت الفوارق الاجتماعية والسياسية بدل أن تزيلها
وفي عهد الرئيس علي عبدالله صالح أصبحت القبيلة والمشايخ جزءا مؤثرا في معادلة الحكم والسياسة وتحولت شؤون القبائل وشؤون المشايخ إلى أدوات ضمن منظومة إدارة النفوذ السياسي والاجتماعي
وهنا تكمن المفارقة الكبرى فالثورة قامت لإزالة الفوارق والامتيازات بين طبقات المجتمع وبناء دولة جمهورية عادلة بينما تحولت الدولة في مراحل لاحقة إلى مساحة تمنح فيها المكانة والنفوذ بحسب القرب من السلطة والقوة القبلية والاجتماعية
ولا يمكن تحميل حزب واحد وحده مسؤولية هذا الانحراف فالمشهد السياسي اليمني شاركت فيه قوى متعددة ومنها المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح وكانت للقيادات القبلية أدوار مؤثرة في الحياة السياسية وفي مؤسسات الدولة
المشكلة ليست في القبيلة باعتبارها مكونا اجتماعيا ولا في الشيخ باعتباره شخصية اجتماعية وإنما في تحويل النفوذ القبلي إلى امتياز سياسي أو إداري أو اقتصادي يتجاوز مبدأ المواطنة المتساوية
فحين يصبح ابن الشيخ أقرب إلى السلطة من المواطن العادي وحين تصبح الوجاهة القبلية طريقا إلى النفوذ والمناصب وحين تدار بعض شؤون الدولة بمنطق الولاءات بدل القانون فإننا نكون أمام تناقض واضح مع روح الجمهورية وأهداف ثورة سبتمبر
لقد كان هدف الثورة واضحا وهو إزالة الفوارق والامتيازات بين طبقات المجتمع وبناء دولة يكون فيها المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات
لذلك فإن الدفاع الحقيقي عن ثورة 26 سبتمبر لا يكون برفع صور قادتها أو ترديد شعاراتها في المناسبات الوطنية فقط بل يكون بالعودة إلى أهدافها وتطبيقها على أرض الواقع
لقد آن الأوان لإنهاء دولة الامتيازات وبناء دولة المؤسسات دولة لا تسأل المواطن من أي قبيلة أنت ومن أي بيت أنت ومن تعرف من المسؤولين وإنما تسأله عن حقوقه وواجباته كمواطن
26 سبتمبر لم تكن ثورة لاستبدال امتيازات بامتيازات ولا لاستبدال سلطة طبقة بسلطة طبقة أخرى وإنما كانت ثورة لبناء الجمهورية والمواطنة والعدالة
ومن يريد الدفاع عن الجمهورية فعليه أن يدافع أولا عن جوهرها إزالة الفوارق والامتيازات بين طبقات المجتمع وترسيخ دولة القانون والمواطنة المتساوية
وهذا هو الاختبار الحقيقي للجمهوريين اليوم