حين يرتدي الاستبداد قناع الانتخابات
ليس أكثر عبثًا من أن تحمل دولةٌ اسم «الجمهورية»، بينما تُدار بمنطق البلاط؛ ولا أكثر إثارةً للسخرية السياسية من أن تُجرى الانتخابات، وتُرفع شعارات التداول السلمي للسلطة، وتُنشأ الأحزاب والبرلمانات، ثم تنتهي كل الطرق إلى رجلٍ واحد، ودائرةٍ ضيقة من الأقارب والموالين، وشبكةٍ واسعة من المصالح التي تجعل الدولة أقرب إلى ملكيةٍ مقنّعة منها إلى جمهوريةٍ مكتملة الأركان.
هنا تحديدًا تكمن المفارقة اليمنية.
فاليمن لم يكن بحاجة إلى تغيير اسمه كي يتحول من الجمهورية إلى «الملكية». كان يكفي أن يحتفظ بالاسم، ويُفرغ المفهوم من مضمونه؛ أن تبقى صناديق الاقتراع موجودة، لكن تصبح نتائجها محكومةً بموازين القوة؛ وأن تبقى المؤسسات قائمة، لكن تتحول من أدواتٍ لتنظيم السلطة إلى أدواتٍ لإعادة إنتاجها؛ وأن تبقى الجمهورية حاضرةً في الدستور والخطابات، فيما يجري التعامل مع الدولة في الواقع باعتبارها ملكيةً سياسيةً مفتوحةً لمن يملك القوة والنفوذ والقدرة على توزيع الولاءات.
لهذا تبدو عبارة «الجمهورية الملكية» — رغم تناقضها الظاهري — وصفًا ساخرًا لكنه كاشف لمرحلة طويلة من تاريخ اليمن الحديث.
فالمشكلة لم تكن في اسم النظام، بل في الفجوة الهائلة بين النص والممارسة؛ بين الجمهورية كما ينبغي أن تكون، والجمهورية كما جرى تشغيلها على الأرض.
من الجمهورية إلى «الملكية غير المعلنة»
عندما وصل علي عبدالله صالح إلى السلطة في 1978، لم يكن المشهد اليمني يسمح بسهولة ببناء دولة مؤسسات مستقرة. كان الشمال يعيش صراعات سياسية وقبلية وعسكرية متشابكة، وكان الجنوب يحمل مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا مختلفًا، فيما كانت المنطقة بأكملها مسرحًا لتنافس القوى الدولية والإقليمية.
في مثل هذه البيئة، لم تُبنَ السلطة على قاعدة مؤسساتية صلبة بقدر ما بُنيت تدريجيًا على شبكة من التوازنات.
وهنا بدأت الحكاية.
لم يكن المطلوب أن يحب الجميع الحاكم؛ كان المطلوب أن يحتاجوا إليه.
تلك هي إحدى أكثر قواعد الحكم الزبائني فاعلية: لا تجعل جميع القوى موالية لك، بل اجعل مصالحها مرتبطة ببقائك. لا تمنح أحدًا القوة الكافية للاستقلال عنك، ولا تسمح في الوقت ذاته بانهيار التوازن الذي تقوم عليه سلطتك. قرّب هذا، وأبعد ذاك؛ امنح هذا منصبًا، وامنح ذاك نفوذًا؛ افتح بابًا لقبيلة، وبابًا لمؤسسة عسكرية، وبابًا لحزب، ثم احتفظ بالمفتاح.
وبهذه الطريقة، تحولت الدولة تدريجيًا من مؤسسةٍ فوق الأشخاص إلى شبكةٍ من الأشخاص داخل المؤسسة.
كان الولاء، في كثير من الأحيان، أكثر قيمة من الكفاءة. وكانت القرابة والنفوذ والعلاقة الشخصية عناصر مؤثرة في بناء دوائر السلطة. ومع مرور الوقت، لم تعد المؤسسة العسكرية والأمنية بمنأى عن هذا المنطق، بل أصبحت إحدى أهم ساحاته.
ومن هنا بدأت الدولة تفقد أحد أهم شروط الجمهوريات الحديثة: حياد مؤسساتها.
حين يصبح الحاكم «مركز التوازن»
لم يكن صالح يحكم دائمًا بمنطق المواجهة المباشرة. على العكس؛ واحدة من أبرز سمات تجربته السياسية كانت القدرة على إدارة التناقضات.
كان يترك الخصوم يتنافسون، والحلفاء يتنافسون، ومراكز القوة تتوازن، ثم يظهر هو باعتباره الطرف الذي لا غنى عنه لإدارة هذا التوازن.
وهكذا تحولت الأزمات، في بعض الأحيان، من مشكلات يجب حلها إلى أوراق يمكن استخدامها في إدارة السلطة.
كان القبلي يحتاج إلى الرئيس، والعسكري يحتاج إلى الرئيس، والحزب يحتاج إلى الرئيس، والخصم نفسه قد يحتاج إلى الرئيس لكي يحصل على مساحة للمناورة.
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الحاكم أكبر من المؤسسة.
ففي الجمهورية الطبيعية، تتغير الحكومات وتبقى الدولة. أما في الدولة الشخصية، فإن رحيل الحاكم يصبح خطرًا على التوازن نفسه، لأن النظام يكون قد ربط استقراره بشخصٍ واحد.
وهذا بالضبط ما جعل اليمن، على امتداد عقود، يبدو كأنه يعيش جمهوريةً بلا تداول حقيقي للسلطة، وتعدديةً بلا تكافؤ في فرص الوصول إليها، ومؤسساتٍ بلا استقلال كامل عن مركز القرار.
المؤتمر: الحزب الذي لم يكن حزبًا فقط
كان تأسيس المؤتمر الشعبي العام عام 1982 محطة مفصلية.
فقد قدم نفسه باعتباره مظلةً واسعة تتسع لمختلف التيارات والمكونات، وهو ما منحه قدرة استثنائية على استيعاب شرائح اجتماعية وسياسية متعددة.
لكن المفارقة أن الحزب الذي نشأ بوصفه مظلةً جامعةً تحول تدريجيًا إلى أحد أعمدة النظام السياسي، وأصبح التداخل بين الدولة والحزب من سمات المرحلة.
وهنا ظهرت إحدى مشكلات الأنظمة السلطوية ذات الواجهة التعددية: لا تحتاج إلى إلغاء الأحزاب بالضرورة؛ يكفي أن تجعل أحدها أكبر من الجميع، وأن تمنحه الدولة والموارد والنفوذ والقدرة التنظيمية التي لا تتوافر لمنافسيه.
عندها تصبح التعددية موجودةً في الشكل، لكنها مختلة في المضمون.
وهذه ليست ديمقراطيةً كاملة، بل إدارةٌ للديمقراطية.
الوحدة: الحلم الذي تحوّل إلى معركة على السلطة
كان إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 لحظة تاريخية استثنائية.
لقد بدا اليمنيون أمام فرصة لبناء دولة جديدة تتجاوز إرث التشطير، وتؤسس لنظام سياسي أكثر انفتاحًا وتوازنًا.
لكن المشكلة أن الوحدة لم تكن مجرد اتحاد جغرافي؛ كانت أيضًا صفقةً سياسية بين مشروعين سياسيين، ومؤسستين عسكريتين، وشبكتين من المصالح، وذاكرتين مختلفتين.
وكان السؤال الحقيقي: من سيحكم الدولة الجديدة؟
سرعان ما اتضح أن الخلاف لم يكن حول التفاصيل وحدها، بل حول جوهر توزيع السلطة.
وجاءت انتخابات 1993 لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس، ثم تصاعدت الخلافات بين شريكي الوحدة حتى وصلت إلى الحرب الأهلية عام 1994.
وبانتهاء الحرب، لم تعد الوحدة كما كانت في لحظة إعلانها.
لقد انتصر طرف سياسي وعسكري على طرف آخر، وأصبحت دولة الوحدة عمليًا أكثر تمركزًا حول السلطة في صنعاء، فيما دخل الجنوب مرحلة طويلة من الشعور بالتهميش السياسي والاقتصادي والعسكري.
وهنا ارتكبت الجمهورية خطأً تاريخيًا آخر: بدل أن تجعل الوحدة إطارًا لاستيعاب التعدد، جعلت نتائج الحرب ميزانًا لإعادة توزيع القوة.
فالوحدة التي كان يفترض أن تكون عقدًا سياسيًا بين اليمنيين تحولت، في جزء من مسارها، إلى دولة مركزية يديرها المنتصر.
من «الرئيس» إلى «العائلة»
بعد تثبيت السلطة، ظهرت واحدة من أخطر سمات النظام: انتقال النفوذ تدريجيًا من مؤسسات الدولة إلى دوائر عائلية وشخصية.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن أفرادًا من أسرة الحاكم شغلوا مواقع عامة فحسب؛ فالمشكلة الأعمق تظهر عندما تتداخل الدولة مع الأسرة إلى الحد الذي يصبح معه النفوذ السياسي والأمني والعسكري موزعًا داخل دائرة القرابة والولاء.
في تلك اللحظة تتغير طبيعة الجمهورية.
فالجيش لا يعود مجرد مؤسسة وطنية، بل يصبح جزءًا من هندسة السلطة. والأمن لا يعود وظيفةً لحماية الدولة، بل يصبح أداةً لحماية النظام. والمناصب لا تعود مسؤوليات عامة، بل تتحول إلى مواقع داخل شبكة النفوذ.
ومن هنا ظهر السؤال الذي ظل يلاحق نظام صالح في سنواته الأخيرة: هل كان يجري إعداد الجمهورية لتداول السلطة، أم إعداد السلطة لتوريثها؟
لم يكن مشروع التوريث بحاجة إلى إعلان رسمي كي يصبح موضوعًا سياسيًا. يكفي أن تتقدم شخصيات من داخل العائلة إلى مواقع مؤثرة، وأن تتراكم القوة حولها، وأن يتراجع دور المؤسسات المستقلة، حتى يصبح احتمال التوريث جزءًا من النقاش العام.
الجمهورية، في هذه الحالة، لا تتحول إلى ملكية دستورية؛ بل إلى ملكية غير معلنة.
سياسة «إدارة الأزمات»
ربما كان أخطر ما في التجربة ليس صناعة الأزمات، بل القدرة على تحويلها إلى أدوات للحكم.
فالصراعات القبلية، والتنافس العسكري، والحراك الجنوبي، وحروب صعدة، والخلافات الحزبية، والعلاقات الإقليمية، كلها أصبحت أجزاء من مشهد شديد التعقيد، استطاع النظام في مراحل مختلفة أن يتعامل معه بمنطق الموازنة والاحتواء والمساومة.
كان المنطق بسيطًا:
لا تسمح لقوة واحدة بأن تصبح أقوى من الدولة، ولا تسمح للدولة بأن تصبح مستقلة عن الحاكم.
وهذه المعادلة أنتجت استقرارًا ظاهريًا، لكنه كان استقرارًا هشًا.
فالاستقرار الذي لا تنتجه المؤسسات لا يدوم.
والنظام الذي يمنع انفجار الصراع دون أن يعالج أسبابه لا يلغي الأزمة؛ يؤجلها فقط.
ولهذا تراكمت الملفات دون حلول جذرية: قضية الجنوب، الحروب في صعدة، اختلال العلاقة بين المركز والأطراف، ضعف الاقتصاد، الفقر والبطالة، تآكل الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
كانت الجمهورية تبدو هادئة في الأعلى، بينما كانت تتشقق في الأسفل.
انتخابات كثيرة... وتداول قليل
ربما كان المشهد الانتخابي اليمني هو أكثر المفارقات تعبيرًا عن «الجمهورية الملكية».
فوجود الانتخابات لا يعني تلقائيًا وجود الديمقراطية.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط؛ إنها منظومة كاملة من تكافؤ الفرص، واستقلال المؤسسات، وحرية المنافسة، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية التمويل، وإمكانية انتقال السلطة فعلًا من يد إلى أخرى.
أما إذا دخل المواطن إلى الانتخابات وهو يعرف مسبقًا أن ميزان الدولة، والموارد، والمؤسسات، وشبكات النفوذ ليست متساوية بين المتنافسين، فإن الانتخابات تصبح أقرب إلى اختبار لشعبية النظام منها إلى آلية لتغييره.
وهنا تتحول الانتخابات من وسيلة لتداول السلطة إلى وسيلة لإعادة شرعنة السلطة القائمة.
وهذا هو الفارق بين الجمهورية الديمقراطية والجمهورية الشكلية.
في الأولى، الحاكم موظف مؤقت لدى الدولة.
وفي الثانية، الدولة تبدو كأنها موظف دائم لدى الحاكم.
2011: اللحظة التي كادت الجمهورية فيها أن تستعيد معناها
عندما خرج اليمنيون إلى الشوارع عام 2011، لم تكن مطالبهم مجرد تغيير شخص في قمة السلطة.
كان جوهر الاحتجاج أعمق: دولة مدنية، مؤسسات، عدالة، مواطنة، تداول سلمي للسلطة، ومغادرة نظام الحكم الشخصي.
كان الشباب يطالبون باستعادة الجمهورية من النظام الذي احتكر معناها.
لكن الثورة اصطدمت بتعقيدات الداخل والخارج.
وجاءت المبادرة الخليجية لتفتح طريقًا للخروج السياسي من الأزمة، لكنها لم تنتج بالضرورة القطيعة الجذرية مع البنية القديمة.
فقد خرج رأس النظام، بينما بقيت أجزاء واسعة من بنية السلطة وشبكات النفوذ حاضرة.
وهنا حدث ما يشبه انتقالًا سياسيًا دون تفكيك كامل للنظام الذي أنتج الأزمة.
ثم جاءت المرحلة الانتقالية المثقلة بالصراعات، ومؤتمر الحوار الوطني، وتصاعد قوة الحوثيين، وانهيار التسوية، وسقوط صنعاء، والحرب التي دخلت فيها أطراف إقليمية ودولية.
وهكذا لم تولد الجمهورية الجديدة.
بل دخلت الجمهورية القديمة إلى غرفة العناية المركزة.
بعد صالح: هل مات «النظام» أم تغيرت وجوهه؟
قد يكون من الخطأ اختزال الأزمة اليمنية في شخص علي عبدالله صالح.
صحيح أن حكمه الطويل أسس شبكة واسعة من المصالح ومراكز النفوذ، لكن المأساة الأكبر أن هذه الشبكات لم تختفِ برحيله.
لقد انتقلت أجزاء من إرث الدولة الشخصية إلى أطراف جديدة.
فإذا كانت الملكية غير المعلنة تعني أن الدولة تُختزل في أسرة أو شخص، فإن الخطر الأكبر بعد انهيار النظام المركزي هو أن تتحول الدولة إلى «ملكيات» متعددة: ملكية عسكرية هنا، وسلطة قبلية هناك، وإمارة أمر واقع في مكان آخر، ونفوذ إقليمي في منطقة، وجماعة مسلحة في منطقة أخرى.
وهكذا بدل أن تنتقل اليمن من الجمهورية الشخصية إلى الجمهورية المؤسسية، أصبحت مهددة بالانتقال من دولة واحدة ضعيفة إلى سلطات متعددة أقوى من الدولة.
لقد تغيرت الأسماء، لكن سؤال الجمهورية ظل كما هو:
من يملك الدولة؟
الجمهورية التي لم تكتمل
المأساة اليمنية ليست أن الجمهورية فشلت في تحقيق كل وعودها.
المأساة أن مفهوم الجمهورية نفسه أصبح، في مراحل طويلة، قشرةً دستورية فوق بنية سياسية مختلفة.
فالجمهورية ليست علمًا وشعارًا وانتخابات.
الجمهورية هي أن تكون الدولة ملكًا للمواطن لا للحاكم.
هي أن يكون المنصب العام وظيفةً مؤقتة لا امتيازًا عائليًا.
هي أن يكون الجيش جيش الوطن لا حارسًا لنظام سياسي.
هي أن تكون الثروة العامة مالًا عامًا.
هي أن يستطيع المواطن تغيير الحاكم دون حرب.
هي أن يخسر الرئيس الانتخابات ويغادر مكتبه.
وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فمهما تغيرت الأسماء والشعارات، تظل الجمهورية ناقصة.
«الجمهورية الملكية» ليست معجزة... بل تحذير
لذلك، فإن وصف اليمن بأنها «جمهورية ملكية» لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تعريفًا دستوريًا جديدًا، ولا باعتباره اكتشافًا لنظام سياسي لم تعرفه كتب العلوم السياسية.
إنه بالأحرى استعارة سياسية تصف التناقض بين الشكل والمضمون.
فالملكية هنا ليست ملكية دستورية، والجمهورية ليست جمهورية ديمقراطية مكتملة؛ وإنما نحن أمام نموذج من الحكم الشخصاني والزبائني، استطاع أن يستخدم مؤسسات الجمهورية وأدواتها ولغتها لإعادة إنتاج السلطة خارج القواعد التي يفترض أن تحكمها.
وهذا ما يجعل التجربة اليمنية أكثر خطورة من مجرد «دكتاتورية تقليدية».
فالاستبداد الصريح يقول للمواطن: أنا أحكمك.
أما الاستبداد الذي يرتدي ثوب الجمهورية فيقول: أنت شريك في الحكم، ثم يبني كل شيء بحيث يستحيل عليك تغييره.
الأول واضح.
أما الثاني فهو أكثر دهاءً.
السؤال الذي لم يُجب عنه بعد
اليوم، وبعد سنوات طويلة من الانقسام والحرب وتعدد مراكز النفوذ، لم يعد السؤال اليمني الحقيقي:
هل اليمن جمهورية أم ملكية؟
السؤال الأهم هو:
هل يستطيع اليمن أن يصبح جمهورية فعلًا؟
جمهورية لا تُورَّث.
جمهورية لا تُشترى فيها الولاءات.
جمهورية لا تُدار فيها الدولة من خلف الستار.
جمهورية لا تكون فيها القبيلة بديلًا عن المؤسسة، ولا السلاح بديلًا عن الانتخابات، ولا الخارج بديلًا عن الإرادة الوطنية.
جمهورية يستطيع فيها المواطن أن يختلف مع الحاكم دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة، وأن يصوت لخصمه دون أن يخسر حقه في الدولة.
هذه هي المعركة الحقيقية.
فالخروج من «الجمهورية الملكية» لا يكون بإسقاط اسم، ولا بتغيير شعار، ولا بإجراء انتخابات جديدة فحسب.
إنه يبدأ عندما تصبح الدولة أقوى من الحاكم، والمؤسسة أقوى من الأسرة، والقانون أقوى من السلاح، والمواطن أقوى من شبكة الولاء.
عندها فقط يمكن لليمن أن يقول إنه انتقل من جمهورية الاسم إلى جمهورية المعنى.
أما قبل ذلك، فستظل الجمهورية اليمنية تحمل مفارقتها الكبرى: دولةٌ وُلدت باسم الشعب، لكنها عانت طويلًا من أن تُدار بمنطق من يملك مفاتيح السلطة.
وهنا لا تكمن «المعجزة السياسية» في أن اليمن اخترع نظامًا يجمع الملكية والجمهورية.
المعجزة الحقيقية — إن حدثت يومًا — ستكون أن ينجح اليمنيون أخيرًا في بناء جمهورية لا يحتاج فيها أحد إلى أن يكون ملكًا كي يحكم، ولا يحتاج فيها الشعب إلى ثورة أو حرب كي يغيّر حاكمه.