آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-01:54م

رجال الوضيع في المواقف الصعبة.. حين يتقدم الحكماء لإطفاء نار الفتنة وحقن الدماء

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 07:00 م
د. غسان ناصر عبادي


في المجتمعات، لا تقاس شجاعة الرجال بقدرتهم على خوض المواجهات، وإنما بقدرتهم على منعها، ولا تقاس مكانتهم بعدد الخصومات التي يدخلونها، بل بعدد الدماء التي ينجحون في تجنيب المجتمع سفكها.

وهكذا كان المشهد في مديرية الوضيع بمحافظة أبين خلال اليومين الماضيين، حيث برز عدد من أبناء المديرية في مواقف مشرفة، اختاروا فيها طريق الحكمة والعقل، وسارعوا إلى احتواء مواقف خطرة كان يمكن أن تتحول إلى مآسي جديدة.

ففي صباح أمس، شهدت إحدى مناطق المديرية حالة من التوتر على خلفية خلاف حول أرض، بعد احتشاد مسلح من أبناء آل مكوع وآل العسوس، الأمر الذي كان ينذر باحتمال وقوع مواجهة لا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تصل تداعياتها.

وفي تلك اللحظات الحرجة، بادر الأستاذ ناصر الخضر محمد عبادي «أبو سند»، ومعه الشيخ علي قاسم محمد حسن من قرية معرج، إلى التحرك سريعاً إلى موقع الخلاف، واضعين أنفسهما في موقف يتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والشجاعة.

ولم يغادرا المكان حتى هدأت النفوس وتراجع خطر المواجهة، في موقف يجسد المعنى الحقيقي للإصلاح الاجتماعي، ويؤكد أن حضور العقلاء في الوقت المناسب قد يحول دون وقوع كارثة.

ولم تتوقف مواقف أبناء الوضيع المشرفة عند ذلك، إذ شهدت مدينة الوضيع حادثة أسرية مأساوية راح ضحيتها أب وابنه، فيما أُصيب شخص آخر، قبل أن يفر الجاني وهو يحمل سلاحاً، وسط حالة من الخوف والقلق بين الأهالي.

ومع انتشار الخبر وتداعي أبناء المديرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لاحتواء الموقف، برز موقف إنساني وشجاع آخر، حين تمكن الأستاذ محمد حيدرة الناجعة من الوصول إلى الشاب والتعامل معه بهدوء، رغم خطورة الموقف وحيازته للسلاح، وما أُفيد عن معاناته من حالة نفسية.

وبدلاً من التصعيد أو المواجهة، اختار الأستاذ محمد لغة التهدئة والطمأنينة، وقال له: «أنت في وجهي.. سلّم سلاحك».

كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت الكثير من الثقة والإنسانية، فاستجاب الشاب وسلم سلاحه، لتنتهي بذلك لحظة بالغة الخطورة كان من الممكن أن تتسبب في سقوط ضحايا آخرين.

إن ما قام به هؤلاء الرجال ليس موقفاً عابراً، بل رسالة اجتماعية وأخلاقية ينبغي أن يتوقف عندها الجميع، ففي زمن تتسع فيه الخصومات سريعاً، ويصبح السلاح أحياناً حاضراً في حل الخلافات، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى العقلاء وأهل الحكمة والإصلاح الذين يتدخلون في الوقت المناسب، ويضعون سلامة الناس فوق كل الاعتبارات.

إن الشجاعة الحقيقية ليست في حمل السلاح، وإنما في امتلاك القدرة على منع استخدامه، والشجاعة ليست في الانتصار على الخصم، بل في الانتصار للإنسان وحقه في الحياة.

ومن هنا، فإننا نتوجه بخالص التحية والتقدير إلى الأستاذ ناصر الخضر محمد عبادي «أبو سند»، والشيخ علي قاسم محمد حسن، والأستاذ محمد حيدرة الناجعة، وإلى كل من ساهم في تهدئة هذه المواقف واحتواء تداعياتها.

لقد أثبتم أن في الوضيع رجالاً عندما تحضر الأزمات يتقدمون الصفوف، ليس لإشعال النار، وإنما لإطفائها، وليس للبحث عن خصومة، وإنما للبحث عن حل، وليس لتوسيع دائرة العنف، وإنما لحماية الأرواح.

هؤلاء هم الرجال الذين تحتاجهم المجتمعات.. رجال الإصلاح، ورجال الحكمة، ورجال المواقف الصعبة، فكل التحية لمن يسارع إلى إطفاء نار الفتنة قبل أن تكبر، ولكل من يختار الكلمة بدلاً من الرصاصة، والحكمة بدلاً من الانفعال، والإصلاح بدلاً من الانتقام.

حفظ الله الوضيع وأهلها، وجنب أبناءها الفتن وسفك الدماء، وأصلح ذات بينهم، وجعل صوت العقل والحكمة دائماً هو الأعلى.