آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-08:33ص

المؤتمر الشعبي العام: إكسيرُ الحياةِ السياسيةِ في اليمن

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 07:08 م
إبراهيم الأهدل


وافق الرابع والعشرون من أغسطس الجاري الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام، ذلك الحزب العريق والأكبر في اليمن، الذي قضى أكثر من ثلاثة أرباع مدة ذكراه حاكمًا للبلاد، معتليًا هرم السلطة الشرعية، ماسكًا بزمامها، مسيّرًا لأمورها، ومحرّكًا لعجلة تنميتها، التي ظلت دائرةً حتى دخلت البلاد مرحلةً سياسيةً مضطربة، توالت خلالها الأزمات والصراعات، وانعكست آثارها على الدولة ومؤسساتها ومختلف جوانب الحياة اليمنية.


لقد كان مطلع العقد الماضي بداية مرحلةٍ جديدة من الصراعات السياسية التي استهدفت إضعاف حزب المؤتمر وإدخاله في دوامة من الانقسامات، لحقتها محاولاتٌ متتالية لإقصائه، ليس من إدارة البلاد فحسب، بل من الحياة السياسية كلها.


وأمام تلك العاصفة الهوجاء، طأطأ الحزب رأسه وانحنى لمرورها، مضحيًا بحاكميته للبلاد، عبر موافقته على التسويات السياسية التي شهدتها البلاد، آملًا تجنيبها الوقوع في مستنقعٍ من التشظي والتمزق والصراع البيني، وراجيًا منع ولوجها في كُوّة نفقٍ مظلمٍ تَسْوَد معه صفحات إنجازاتٍ تنمويةٍ وسياسيةٍ سطّرها الحزب خلال أكثر من ثلاثة عقود فترة تربّعه على سدة الحكم. وتلك حكمةٌ تُحسب له.


إلا أن الأقدار شاءت عقب ذلك، وبفعل المكايدات السياسية التي يتحمل الجميع - دون استثناء - وزرها، أن ننغمس في مستنقعٍ من الصراعات والدمار، وأن نلج نفقًا أشد إظلامًا وقتامة، لتتعطل بذلك عجلة الحركة التنموية في أرض بلادنا قاطبة، وتتلبد سماؤنا بغيوم البؤس والمعاناة التي طالت آثارها حياة اليمنيين كافة، لنجد أنفسنا في ظل أوضاعٍ كارثية، لا زلنا حتى اللحظة نكتوي بصفيح جحيمها ونرتع في لهيب آثارها.


ولم تقف محاولات إضعاف حزب المؤتمر الشعبي العام عند مرحلةٍ أو جهةٍ واحدة، بل تعرّض الحزب خلال السنوات الماضية لضغوطٍ متعددة، وسعت أطراف مختلفة إلى تفريخه وتشطيره، ودعم الانقسامات في صفوفه، بما أفضى إلى تعدد مراكز القرار والقيادة داخله، وإلى حالةٍ من التشظي أضعفت الحزب وأثّرت في فاعليته السياسية.


ومع ذلك، ظل الحزب صامدًا ومناضلًا ـ رغم مصادرة قراره في الداخل ـ لاستعادة ذلك القرار ونيل استقلاله من تلك المصادرة التي فُرضت عليه في ظروفٍ بالغة التعقيد.


ويُعذَر الحزب في بعض المراحل التي سلك فيها أخف الضررين، لتجنب مؤامرات حله وتفادي نتائج كارثية بحقه وحق كوادره وقياداته، التي قادت سفينة الحزب لشاطئ السلامة، وحاولت الوصول به لبر الأمان والحفاظ عليه قدر الإمكان.


وذاك منجزٌ يحسب أيضًا للحزب؛ إذ إن بقاءه يعني، عمليًا، بقاء أحد أهم مكونات الحياة السياسية اليمنية، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى التعددية السياسية والتوازن، وإلى أحزابٍ وطنية قادرة على ممارسة دورها في الرقابة والمشاركة وصناعة القرار.


أمام كل تلك الصدمات والتحديات المستهدفة لإضعافه وإقصائه من الساحة السياسية، نجا حزب المؤتمر الشعبي العام واجتاز حقل الفخاخ والألغام بحنكةٍ ودهاء، إلا أن بعضًا منها انفجر في وجهه، لكنه لم ينتهِ؛ فهو يمرض، لكن لا يموت.

صحيحٌ أن تلك الجراحات أثخنت في جسده، ونالت من تماسكه شيئًا، تمثل في استقالات بعضٍ من كوادره وانشقاقات آخرين، لينشطر معهم البيت المؤتمري، إلا أن أساساته ظلت ثابتةً في الأرض، ولبناته تتعالى في السماء، وظل الحزب راسخًا رسوخ الشُّمّ من الجبال أمام كوارث الطبيعة.


ولا غرابة في ذلك، فجذور الشجرة الممتدة لأكثر من أربعة عقود لا تتزحزح أمام العواصف والنكبات العارضة، فكيف الحال وجذور الحزب متغلغلةً في قلوب كثيرٍ من الجماهير العريضة في شتى أنحاء اليمن، ومسقيةً بماء الوسطية والفكر المعتدل القائم على نبذ التطرف والغلو والقبول بالآخر رغم الاختلاف معه سياسيًا وأيديولوجيًا، وتلك مزيةٌ ربما يتفرد بها الحزب عن غيره.


وعليه، فما تلك الخسائر المدفوعة في سبيل بقائه والمحافظة عليه إلا ثمنًا توجب دفعه؛ عتقًا لرقبة الحزب من مقصلة الاجتثاث ومشنقة الحل التي كانت تُراد له.


إن حزب المؤتمر الشعبي العام حزبٌ يمني المنشأ والأيديولوجية، يحتضن تحت مظلته قاماتٍ لا حصر لها من ذوي الكفاءات العالية والخبرات المجربة التي صقلها الميدان سلمًا وحربًا، ولا بد اليوم من الاستعانة بهذا الحزب وكوادره لحلحلة أوضاع اليمن الراهنة، وفك شفرة طلاسم تعقيداتها، فهو وبلا شك العالم بخفايا أمورها، وحتماً لديه مفاتيح حلولها.


ولا تقف حاجة اليمن إلى الحزب عند ذلك، بل تحتاجه أيضًا لبقاء المناخ السياسي فيها قائمًا، فهو إكسير حياتها؛ كيف لا، وهو الحزب الذي أدار البلاد لأكثر من ثلاثة عقود، وشجع التعددية السياسية فيها، بل وساهم في وجودها، وقدم لها دعم الدولة لتساهم في ممارسة رقابة إيجابية على السلطة الحاكمة، بما يحول دون تسلطها، وبما يعين في تنمية البلاد وتطويرها.


ولا ننكر أن للمؤتمر الشعبي العام، كذلك، مثالب وأخطاءً اعترت مسيرته السياسية، وقد دفع ثمنها، ولا زال. لكنه مع ذلك يظل أبَ الأحزاب وحزب الدولة الأعرق، الذي يعول عليه اليمنيون كثيرًا - بالتعاون مع كافة شرفاء الوطن وأحزابه الوطنية - للإسهام في إخراج البلاد من مأزقها الراهن.


فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى إقصاء أي مكوّن سياسي، بقدر ما تحتاج إلى جمع القوى الوطنية، وتوسيع دائرة المشاركة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي المؤسسي، وبناء شراكة وطنية حقيقية تستوعب الجميع، وتضع مصلحة اليمن فوق المصالح الحزبية والشخصية.


ختامًا، نثق في قدرة هذا الحزب العريق والرائد على التعافي ولملمة لحمته من جديد، تحت قيادةٍ موحدة، لانتشاله من حالة ضعفه الراهنة، وفترة خموله المؤقتة، والتي هي في الحقيقة فترة نقاهة، إن صح التعبير، يعيشها الحزب المثخن من غدر القريب وتربص البعيد.


أيامٌ معدوداتٌ سرعان ما تنقضي؛ ليعود الحزب بحُلّة جديدة، فيزداد رونقًا وبريقًا، في ظل قيادةٍ موحدة قوية جامعة، قادرة على جمع شتات البيت المؤتمري، واستعادة قراره السياسي، وإعادة الحزب إلى موقعه الطبيعي في الحياة السياسية اليمنية.


فاليمن اليوم بحاجة إلى المؤتمر، كما أن المؤتمر بحاجة إلى أن يستعيد عافيته ووحدته ودوره؛ وليس أمامه سوى أن يجمع صفوفه، ويستعيد مؤسساته، ويقدم نموذجًا جديدًا للعمل السياسي، يواكب متطلبات المرحلة، ويستجيب لتطلعات اليمنيين. وإن غدًا لناظره قريب.

..