سألت نفسي كثيرا ما الذي يستطيع الإعلام أن يقدمه في ظل الوضع الذي نعيشه داخل صفوف الشرعية وما الذي يمكن أن يصنعه الإعلامي في مرحلة تتداخل فيها الخلافات السياسية وتتعدد فيها المواقف والتوجهات
وجدت أن أمام الإعلام والإعلاميين مسؤولية كبيرة لا تقل أهمية عن أي دور آخر في هذه المرحلة فالإعلام ليس مجرد نقل للأخبار أو تسجيل للمواقف السياسية بل هو أداة يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر وردم الفجوة بين الأطراف المختلفة عندما يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة
وفي ظل التباين القائم بين مكونات الشرعية فإن المطلوب من الإعلامي أن يعمل على خلق مساحة مشتركة تجمع الجميع حول هدف وطني واحد وهو استعادة الدولة ومواجهة مليشيا الحوثي بعيدا عن التصنيفات الحزبية والمناطقية والحسابات الشخصية التي أضعفت كثيرا من قدرة الصف المناهض للانقلاب على توحيد موقفه الإعلامي والسياسي
المشكلة اليوم ليست في غياب المواقع الإخبارية أو الصحف أو القنوات فلدينا عدد كبير من المنابر الإعلامية لكن السؤال الحقيقي هو كم من هذه المنابر يعمل بمهنية واستقلالية وكم منها تحول إلى منبر يخدم حزبا أو شخصية أو جهة بعينها
عندما يتحول الإعلام إلى أداة للصراع بين الحلفاء فإنه يفقد جزءا كبيرا من رسالته ويتحول من وسيلة لجمع الناس حول القضايا الوطنية إلى عامل إضافي في تعميق الخلافات والانقسامات
الإعلامي لا يفترض أن يكون بوقا لأي طرف بل يجب أن يكون صوتا للمصلحة العامة وأن يمتلك القدرة على نقد الخطأ مهما كان مصدره والدفاع عن الحقيقة دون أن يتحول إلى طرف في الصراع الداخلي
وهنا يأتي دور الحكومة الشرعية التي يجب أن تدرك أن الإعلام ليس قطاعا ثانويا يمكن التعامل معه في آخر قائمة الأولويات بل هو جزء أساسي من معركة الدولة ومعركة الوعي ومواجهة التضليل والشائعات والحرب النفسية التي تستهدف المجتمع والجيش والقوى المناهضة للحوثيين
ومن الضروري أن تعمل الحكومة على دعم الإعلام الوطني المستقل وتوفير بيئة مهنية للإعلاميين وضمان حقوقهم وتحسين أوضاعهم وتمكين المؤسسات الإعلامية من أداء دورها بعيدا عن الإقصاء والتهميش وأن تكون هناك سياسة إعلامية وطنية واضحة تجمع ولا تفرق وتواجه المشروع الحوثي بالحقيقة والمعلومة والمهنية
وفي هذه المرحلة نحن بحاجة إلى إعلام يبني الجسور لا الجدران إعلام يوحد الصفوف ولا يزيدها تشتتا إعلام ينتقد من أجل الإصلاح ولا يهاجم من أجل تصفية الحسابات إعلام يرى اليمن أولا وقبل كل شيء
فالانتصار في أي معركة لا يصنعه السلاح وحده وإنما تصنعه أيضا الرواية والحقيقة والوعي والقدرة على مخاطبة الناس وإقناعهم