من السهولة بمكان القيام بثورة ضد نظام سياسي في أي مكان؛ غير أن الصعوبة الحقيقية تكمن في تحويل الشعارات التي رفعتها الثورة والأحلام التي تبنّتها والتضحيات التي قُدّمت في سبيلها إلى دولةٍ قادرة على تجسيد تلك الوعود في مؤسسات وقوانين وممارسات.
ولعل الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن العشرين قدمت نموذجا بالغ الدلالة على الفارق بين "إسقاط نظام" و"بناء دولة". فقد أُسقط نظام الشاه وأُعلنت الجمهورية "الإسلامية" في إيران لكن الدولة الجديدة لم تتأسس وفق نموذج الدولة المعروف والذي يقوم على توازن السلطات ووضوح المرجعيات واستقلال المؤسسات واحتكار الدولة وحدها لأدوات القوة؛ وإنما قامت على معادلة مركبة أعادت توزيع السلطة بين مؤسسات رسمية وأخرى عقائدية موازية بحيث إحتفظت الدولة بهيكلها المؤسسي بينما أُعيد تعريف مركز القرار السياسي والأمني والعقائدي داخلها.
وفي قلب هذه المعادلة برزت فكرة "ولاية الفقيه" التي شكّلت الإطار النظري والسياسي لنظام الحكم الذي أسسه الخميني.
فلم تكن المسألة في جوهرها مجرد إضافة مؤسسة دينية إلى بنية الدولة وإنما تأسيس منظومة حكم تجعل المرجعية العليا للقرار السياسي والعقائدي والأمني مرتبطة بموقع "الولي الفقيه" بما أفضى إلى نشوء بنية مزدوجة: دولة رسمية من جهة وشبكة مؤسسات موازية ومتصلة بمركز القيادة العقائدية من جهة أخرى.
ومن هنا يمكن قراءة النموذج الإيراني من خلال خمسة مسارات رئيسة:
أولا: عسكرة الدولة
يتجلى المسار الأول في ازدواجية القوة داخل الدولة. ففي قلب هذا البناء يقف الحرس الثوري الإيراني بوصفه مؤسسة عسكرية أمنية ذات وظيفة تتجاوز الوظيفة التقليدية للجيوش الوطنية. فهو لا يمثل مجرد قوة عسكرية موازية للجيش النظامي بل يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وأمني واسع ويؤدي دورا محوريا في حماية النظام السياسي والعقائدي.
وإلى جانب الحرس الثوري تأتي قوات "الباسيج" بوصفها ذراعا أمنية اجتماعية ذات حضور واسع في المجتمع تعمل إلى جانب أجهزة الدولة الرسمية لكنها ترتبط بصورة وثيقة بالمنظومة العقائدية للنظام.
وهكذا تنشأ حالة من ازدواجية أدوات القوة: جيش رسمي وقوة عقائدية عسكرية موازية ومؤسسات أمنية رسمية وشبكات أمنية واجتماعية مرتبطة بالمنظومة الحاكمة.
وعندما تتعدد مراكز القوة داخل الدولة لا تعود المسألة مجرد توزيع للوظائف بل تصبح سؤالا حول: من يمتلك القوة الفعلية؟ ومن يملك القرار النهائي باستخدامها؟
ومن هنا يمكن القول إن الخطر في ازدواجية القوة لا يكمن في وجود مؤسستين فحسب وإنما في أن تصبح إحدى المؤسستين أكثر ارتباطا بمركز القرار السياسي والعقائدي من الدولة نفسها.!
ثانيا: اختطاف السياسة من داخلها
في الظاهر تبدو مؤسسات الدولة السياسية والسيادية قائمة: رئيس منتخب وبرلمان يُعرف باسم "مجلس الشورى الإسلامي" وحكومة وأجهزة قضائية وإدارية.
غير أن هذه المؤسسات تعمل ضمن شبكة واسعة من القيود والهيئات التي تحدد مسبقا نطاق حركتها السياسية.
ويأتي مجلس صيانة الدستور في مقدمة هذه المؤسسات إذ يؤدي دورًا محوريا في فحص أهلية المرشحين للانتخابات ومراجعة التشريعات بما يمنحه تأثيرا مباشرا في تحديد المجال السياسي المتاح للمنافسة والتمثيل.
وبذلك تصبح الانتخابات على الرغم من وجودها محكومة بإطار مؤسسي سابق عليها يحدد من يستطيع الوصول إلى صناديق الاقتراع بوصفه مرشحا وما يمكن للمؤسسة التشريعية إقراره من قوانين.
أما مجلس تشخيص مصلحة النظام فيمثل مستوى آخر من مستويات البنية السياسية إذ يتدخل في حسم الخلافات بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور فضلًا عن دوره الاستشاري والسياسي في منظومة الحكم.
وفوق هذه البنية المؤسسية يقف المرشد الأعلى بوصفه صاحب الموقع الأعلى في هرم السلطة وفق الدستور الإيراني مع صلاحيات واسعة في مجالات السياسة العامة والقوات المسلحة، والأمن وبعض المفاصل الأساسية للنظام السياسي.
وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص النموذج الإيراني إثارة للجدل: وجود مؤسسات انتخابية إلى جانب مؤسسات غير منتخبة تمتلك قدرة حاسمة على تحديد المجال الذي تتحرك داخله المؤسسات المنتخبة.
ومن ثم لا تكمن القضية في غياب الانتخابات وإنما في حدود تأثيرها داخل منظومة أوسع تحدد مسبقا سقف التغيير الممكن.
ثالثا: تصدير النموذج لا الدولة
لم يقتصر أثر النموذج الإيراني على الداخل بل امتد إلى الإقليم عبر بناء شبكة واسعة من القوى والتنظيمات التابعة لإيران ولا سيما في عدد من الدول العربية.
وهنا ينتقل مفهوم الدولة الموازية من الداخل الإيراني إلى المجال الإقليمي.
فبدلًا من أن تكون العلاقة بين الدولة الإيرانية وحلفائها علاقة دول بدول أو حكومات بحكومات، يمكن النظر إليها باعتبارها علاقة بين منظومة سياسية أمنية عابرة للحدود وشبكات محلية تعمل داخل دول مختلفة.
وهذا التحول بالغ الأهمية من منظور الجغرافيا السياسية؛ لأن النفوذ هنا لا يُقاس فقط بحدود الدولة وإنما بقدرتها على بناء شبكات ممتدة خارج حدودها تتجاوز الجغرافيا التقليدية وتعيد تعريف مفهوم النفوذ الإقليمي.
وبذلك لا تتوسع إيران بالضرورة بوصفها دولةً بالمعنى التقليدي، وإنما يتوسع نفوذ النموذج الإيراني وشبكاته وأدواته داخل المجال الإقليمي.
وهنا تكمن الإشكالية الاستراتيجية.
رابعا: إحتكار الوعي قبل احتكار السلطة
لا تكتمل منظومة السيطرة السياسية بمجرد السيطرة على المؤسسات وأدوات القوة؛ إذ إن السيطرة الأكثر عمقا تبدأ من إعادة تشكيل الوعي.
ومن هنا نشأت إلى جانب المؤسسات الرسمية المعنية بالإعلام والثقافة والتعليم منظومة واسعة من الأدوات الإعلامية والثقافية والدينية والعقائدية التي تؤدي وظيفة تتجاوز نقل الأخبار أو الترويج السياسي.
إنها تعمل على إنتاج السردية الرسمية للنظام وتحديد مفردات الهوية السياسية والثقافية وصياغة صورة الدولة والمجتمع والعدو والحليف وإعادة تفسير الأحداث بما يتوافق مع المنظومة العقائدية والسياسية الحاكمة.
وفي هذه الحالة لا يعود الإعلام مجرد وسيلة للاتصال السياسي وإنما يتحول إلى أداة لإنتاج المعنى السياسي نفسه.
فالسلطة التي تستطيع التأثير في وعي المجتمع لا تحتاج دائمًا إلى استخدام القوة المباشرة؛ إذ يصبح المواطن بمرور الوقتد، جزءا من منظومة تفسير الواقع وفق سردية محددة.
ومن هنا فإن الصراع على السلطة يتحول إلى صراع على تعريف الحقيقة وتحديد الهوية وصياغة الذاكرة الجمعية وتوجيه الإدراك العام.
خامسا: دولة بوجهين وقرار واحد
إستنادا إلى المسارات السابقة يمكن النظر إلى النموذج الإيراني بوصفه بنية سياسية ذات مستويين متداخلين:
المستوى الأول: دولة رسمية بمؤسساتها الدستورية والانتخابية والإدارية وهي التي تتعامل مع المواطنين والمجتمع الدولي وتمنح النظام شكله القانوني والمؤسسي.
المستوى الثاني: شبكة من المؤسسات والهيئات والقوى العقائدية والأمنية والسياسية التي تمتلك نفوذا واسعا في تحديد اتجاهات القرار وتعمل داخل الدولة وبجوارها وفوق بعض مؤسساتها أو بالتوازي معها.
وهنا تتضح إحدى أهم الإشكاليات النظرية في نموذج ولاية الفقيه: هل الدولة هي الإطار الأعلى الذي تنتظم داخله المرجعيات والمؤسسات كافة؟ أم أن هناك مرجعية عقائدية عليا تتجاوز الدولة ومؤسساتها وتحدد حدود حركتها؟
فإذا كانت الدولة هي الإطار، تصبح المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية جزءًا من منظومة الدولة وخاضعة لقواعدها العامة.
أما إذا أصبحت الدولة مجرد وعاء مؤسسي تتحرك داخله منظومة عقائدية تمتلك مرجعية أعلى من المؤسسات المنتخبة فإننا نكون أمام نموذج مختلف عن مفهوم الدولة الحديثة حتى وإن احتفظ ذلك النموذج بكل الأشكال الدستورية والمؤسساتية للدولة.
بناءً على ما سبق يمكن القول إن الإشكالية الأساسية في نموذج ولاية الفقيه لا تتمثل في مجرد الجمع بين الدين والسياسة ولا في وجود مؤسسات دينية داخل الدولة، وإنما في تركيب بنية سياسية تجعل المرجعية العقائدية العليا مسيطرة على مركز القرار السياسي.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال الحقيقي هو:
هل الدولة هي التي تنتج السلطة؟ أم أن السلطة العقائدية هي التي تنتج الدولة وتحدد وظائفها وحدودها؟
ولعل أخطر ما في هذه المعادلة أن الدولة قد تحتفظ بكل ملامحها الخارجية من دستور ورئاسة وبرلمان وحكومة وجيش وانتخابات؛ بينما يكون مركز القرار الفعلي قد انتقل إلى شبكة أخرى من المؤسسات والمرجعيات.
وهنا يمكن أن نصل إلى خلاصة أكثر دقة من القول إن إيران ليست دولة، فهي دولة بالفعل من الناحية القانونية والمؤسسية لكن بنية السلطة داخلها تختلف عن النموذج التقليدي للدولة الحديثة.
إنها في التحليل السياسي حالة مركبة يتم فيها تجاوز الدولة الرسمية من قِبل منظومة سلطة عقائدية أمنية، ليست موازية فحسب! بل باعتبارها الأكثر عمقاً.
وهنا حين تُختزل الدولة في جهاز، والجهاز في فكرة، والفكرة في شخص؛ وهنا يصبح الاختلال في بنية النظام ذاتها ويصبح تغيير السلطة أعمق بكثير من مجرد تغيير الحكومة.
لذلك تستحق المسألة أن لا تُقرأ بوصفها شأنًا إيرانيا داخليا فحسب! وإنما بوصفها نموذجا سياسيا له امتداداته الإقليمية وتداعياته الجيوسياسية.