آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-09:01ص

البردوني.. حضورٌ بلا غياب ونبوءةٌ لا تموت

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 03:59 م
عمر الحار


ثمة شعراء يكتبون زمنهم، وثمة شعراء يكتبون ما بعد زمنهم. وعبدالله البردوني كان من أولئك الذين لم تقف قصيدتهم عند حدود اللحظة، بل مضت أبعد منها في حياة الاجيال.

سيظلُّ الشاعرُ اليمنيُّ العملاقُ عبدالله البردوني حاضرًا بلا غياب، وستظلُّ قصيدته تمشي على الأرض؛ حيّةً في الذاكرة، نابضةً في الوجدان، ومفتوحةً على أسئلة اليمن التي لم تجد أجوبتها بعد.

وفي كل ذكرى تحلُّ بالبردوني، لا نستعيد شاعرًا رحل فحسب، وإنما نستعيد وطنًا كما رآه هو؛ وطنًا كان يقرأ ملامحه في تفاصيل الحياة، ويصغي إلى ما تخفيه اللحظة خلف ضجيجها، ويرى في حاضرها بذور مستقبلها.

ولعل هذا هو سرُّ عودة البردوني المتكررة إلى المشهد؛ فكلما تغيرت الأيام، بدا شعره أكثر قدرةً على ملامسة الواقع، وكأن القصيدة لم تُكتب لزمانها وحده، وإنما تركت أبوابها مشرعةً لأزمنةٍ أخرى.

لقد امتلك البردوني طاقةً شعريةً استثنائية جعلته يقرأ اليمن بعينٍ تتجاوز ظاهر الأشياء. لم يكن يكتفي برصد ما يحدث، بل كان ينفذ إلى ما يمكن أن يحدث؛ يلتقط الإشارة الصغيرة قبل أن تتحول إلى ظاهرة، ويرى في اللحظة العابرة ملامح مصيرٍ كامل.

ومن هنا تبدو بعض قصائده اليوم أشبه بسفرٍ استشرافي؛ شهادة شاعرٍ وقف على حافة الزمن، فنظر إلى ما وراء اللحظة، ورأى في الأفق ما لم يكن ظاهرًا لكثيرين.

ولم يكن البردوني شاعرًا يطلب من القصيدة أن تُصفّق للواقع، بل كان يريد منها أن تسائله.

كان شاعرًا لإيقاظ الوعي قبل إثارة الوجدان، يضع القارئ أمام أسئلته، ويحرره من أسر الشعارات، ويذكّره بأن الثورة التي تفقد وعيها قد تفقد طريقها، وأن الحلم الذي لا يحرسه العقل قد يتحول إلى نقيضه.

ومن هنا تجاوز البردوني حدود الشاعر إلى فضاء المفكر والمراقب؛ يضع إصبعه على الجرح دون أن يكتفي بوصف ألمه، ويواجه اختلالات الواقع بالكلمة، لا باعتبارها زينةً لغوية، وإنما باعتبارها موقفًا ومسؤولية.

كان يرى في القصيدة مساحةً لاستعادة العقل من بين ركام العاطفة، وفي الشعر قدرةً على مقاومة النسيان؛ ولذلك بقي شعره قادرًا على مخاطبة الإنسان اليمني، رغم تبدل الأزمنة، وتغير المواقف، وسقوط كثيرٍ من اليقينيات التي بدت يومًا عصيةً على السقوط.

وفي الجانب الشعري، لم يكن إنجاز البردوني أقل حضورًا.

ففي زمنٍ بدا فيه الشعر العمودي مهددًا بالانحسار أمام موجات التجديد المتلاحقة، جاء البردوني ليبرهن أن القصيدة لا تموت لأنها عمودية، ولا تحيا لأنها حديثة؛ وإنما تبقى حين تمتلك روحًا قادرةً على التجدد.

أمسك بالعمود الشعري من جذوره، لكنه لم يسمح له أن يتحول إلى قيد. حافظ على أصالته، وفتح نوافذه على العصر، وصنع من القالب الموروث فضاءً جديدًا للدهشة، حتى أصبحت القصيدة العمودية على يديه قادرةً على أن تقول الجديد دون أن تتنكر لجذورها.

وهكذا لم يكن البردوني حارسًا للماضي بقدر ما كان مجددًا في داخله؛ أثبت أن الأصالة ليست نقيض التجديد، وأن التراث حين تسكنه روح الشاعر الحقيقي يمكن أن يصبح طريقًا إلى المستقبل، لا جدارًا في وجهه.

لكن المفارقة الأكثر إدهاشًا في حضور البردوني لا تكمن في شعره وحده، وإنما في قدرته النادرة على البقاء قاسمًا مشتركًا بين اليمنيين، كلما فرّقت بينهم السياسة.

شاعرٌ رحل عن الحياة، لكنه بقي حاضرًا في حياة شعبه.

وشعبٌ مزقته السياسة، فوحّدته قصيدة.

تلك هي قوة البردوني الحقيقية؛ أنه لم يتحول إلى تمثالٍ في ذاكرة الماضي، بل ظل صوتًا يتحرك كلما تحركت أسئلة اليمن، ويعود كلما عادت البلاد إلى البحث عن ذاتها.

ولذلك لا تبدو ذكرى البردوني مناسبةً سنوية لاستحضار شاعرٍ مضى، بقدر ما تبدو موعدًا سنويًا لاكتشاف أنه لم يمضِ تمامًا.

نكتشفه في قصيدةٍ تضيء زاويةً معتمة من حاضرنا، وفي بيتٍ شعري يفتح نافذةً على مستقبلنا، وفي سؤالٍ قديمٍ يعود إلينا وكأنه كُتب هذا الصباح.

لقد غاب البردوني، لكن قصيدته لم تغب.

غاب الصوت، وبقي صداه.

غاب الشاعر، وبقيت النبوءة.

وربما كان ذلك هو الانتصار الأكبر لشاعرٍ عاش بصيرًا في زمنٍ لم يكن يرى فيه كثيرون؛ إذ لم يستطع الزمن أن يطوي قصيدته، ولم تستطع التحولات أن تُبطل أسئلته، ولم تستطع السياسة أن تفرّق اليمنيين عن شاعرٍ ظل، رغم كل شيء، واحدًا من أكثر أصواتهم قدرةً على جمعهم.

البردوني لا يعود في ذكراه؛ نحن الذين نعود إليه كلما احتجنا أن نرى اليمن بعينٍ أبعد من اللحظة.

ولهذا سيظل حاضرًا بلا غياب، وستظل نبوءته مفتوحةً على المستقبل؛ فالشعر الخالد مكتوب بلا تاريخ لانتهاء الصلاحية، ليبقى مدرسة لالهام الاجيال.

سلامٌ على شاعر اليمن البصير العملاق عبدالله صالح البردوني في ذكرى رحيله 27.