لم يعد الإعلام في هذه المرحلة مجرد مساحة لنقل الأخبار أو متابعة الأحداث والوقائع فالمشهد الذي نعيشه اليوم يفرض على الإعلامي مسؤولية أكبر تتجاوز حدود الخبر إلى صناعة الوعي وتحصين المجتمع ومواجهة الشائعات ومحاولات التضليل التي تستهدف الإنسان والمؤسسة والدولة في آن واحد
ومن هنا فإن الخطاب الإعلامي يجب أن يرتقي إلى مستوى المرحلة وأن يدرك الإعلامي أن الكلمة التي يكتبها أو الصورة التي ينشرها أو المعلومة التي يتداولها قد يكون لها تأثير مباشر في الرأي العام وفي معنويات الناس وفي طبيعة الموقف العام
الإعلام المهني لا يعني أن نتخلى عن مواقفنا وقضايانا الوطنية بل يعني أن نقدمها بطريقة مسؤولة ومقنعة تحترم عقل المتلقي وتبتعد عن المبالغة والتشنج والاتهامات غير المبنية على معلومات واضحة
وفي ظل الحرب المفتوحة وتعدد مصادر المعلومات لم يعد من الصعب صناعة شائعة أو إعادة تدوير مقطع قديم وتقديمه على أنه حدث جديد ولهذا أصبحت سرعة التحقق من المعلومة واحدة من أهم أدوات العمل الإعلامي كما أصبحت مواجهة التضليل مسؤولية لا تقل أهمية عن نقل الحدث نفسه
كما أن المرحلة تحتاج إلى خطاب إعلامي يجمع ولا يفرق ويعالج نقاط الاختلاف بعقلانية ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة فالاعلام الذي يتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات وإثارة الخلافات يفقد دوره الحقيقي ويمنح خصوم المجتمع فرصة لاستثمار الانقسامات الداخلية
نحن بحاجة إلى إعلام يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ويعرف كيف ينتقد دون أن يهدم وكيف يدافع دون أن يبالغ وكيف يكشف الأخطاء دون أن يحولها إلى مادة للفوضى
والإعلامي الناجح هو الذي يمتلك القدرة على قراءة المشهد قبل أن يكتب عنه ويفهم طبيعة المرحلة قبل أن يصدر موقفه ويعرف أن المهنية ليست حيادا عن القضايا الوطنية بل هي الطريقة الصحيحة للدفاع عنها
اليوم نحن أمام مسؤولية كبيرة فالمعركة لم تعد في الميدان وحده وإنما تمتد إلى الفضاء الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الأخبار ولذلك فإن بناء خطاب إعلامي مهني وواع ومتزن أصبح ضرورة وليس ترفا
المرحلة تحتاج إلى إعلاميين أكثر وعيا وأكثر قدرة على صناعة الرسالة وأكثر التزاما بالحقيقة لأن كسب معركة الوعي يبدأ من معلومة صحيحة وينتهي بثقة الجمهور
فالخطاب الإعلامي الذي يواكب المرحلة يصنع الفرق والإعلام الذي يحترم الحقيقة يحافظ على تأثيره أما الإعلام الذي يتحرك خلف الشائعة والانفعال فلن يكون سوى جزء من المشكلة