آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:44ص

من بهرجة الصور إلى مذلة علب الفول: هكذا قُزمت كرامة المعلم

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 03:24 م
حسين سالم السليماني


حين يهلّ العام الدراسي الجديد بثوبه المعهود، لا يطرق المعلم أبواب المدارس حاملاً الطباشير وحدها، بل يحمل فوق عاتقه جبالاً من الهموم وقسطاً وافراً من خيبات الأمل. لقد أطلت بشائر "المكرمة" الكبرى، وأُسدل الستار عن ملحمة تنظيمية أبهرت الناظرين؛ فقد سبقت السلة الموعودة هالة من الضجيج الإعلامي، والافتتاحيات الضخمة، والصور الفوتوغرافية التي تلتقطها العدسات بعناية فائقة أمام لوحات ملونة تعج بشعارات الفخامة والتبجيل. ظن الجائع أن السموات قد فتحت أبواب رزقها، وأن عهد شقاء الكادحين قد ولى، فإذا بالواقع ينبض بتهكم مرير يعجز عن وصفه لسان الحكماء.

تأملوا هذا الدعم السخي، وتلمسوا عظمة الأرقام التي أذابت قلوب العارفين؛ عشرة كيلو جرامات من الدقيق، وخمسة كيلو جرامات من الأرز، وثلاثة لترات من الزيت المقطر، وكيلو جرام واحد يتيم من السكر الناعم الأنيق الذي تذوب حباته رقة ودلالاً. يا له من اكتفاء عظيم يضمن للأسرة استقرار المعيشة! أما الدرة اليتيمة في هذا التاج الغذائي فهي علب الفول؛ تلك الذخيرة الاستراتيجية التي تقف صامدة في الخزائن كشاهد عيان على البؤس، مكملة طريقها حتى بعد أن يواري تراب النفاد آخر حبة دقيق.

لقد رفعتم قدر المعلم حقاً، وجللتموه بتاج الوقار حين منحتموه ما يكفيه ويفيض عنه لأيام معدودات. للأسر قليلة العدد، هي هبة تكفي ثلاثة أيام من الطمأنينة المزيفة؛ أما تلك العائلات المبروكة التي تتجاوز السبعة أفراد، فلها شرف الاختيار بين الجوع والترشيد الخرافي لتدوم السلة يومين فحسب. إنه لإنجاز سيكتبه التاريخ بمداد من حرج وخزي، وما يؤكد عظمة هذا الإنجاز هو أولئك المدراء الذين احتشدوا، واليافطات الملونة التي تتوسط المشهد، وتلك البدلات الرسمية الموحدة التي ارتداها موزعو الهبات، وكشوفات أسماء المعلمين والوقوف أمامها حتى يجد المعلم اسمه، ثم ينتقل للبصمة والأوراق الثبوتية التي تعاملت مع كرامة المربي العظيم كحزمة إغاثة في مخيم ناءٍ. حقاً، إنه لمنظر يورث الندم: يندم من حضر واكتوى بذل الاستلام، ويحمد الله ألف مرة من غاب وسلم من مرارة المشهد.

لست هنا في مقام لوم أهل الخير وأصحاب الأيادي البيضاء، فمن بذل حبة قمح واحدة ابتغاء وجه الله فله الشكر والتقدير، وجزاه الله عن العباد خيراً. بل إن لومنا وخصومتنا تتجهان نحو سلطة امتلكت زمام القرار ومقدرات الأوطان، فارتضت أن تقزم شأن المعلم ومؤسسات التعليم إلى هذا الحد المشين.

لكم الله يا شعب الصابرين، ولكم الله أيها المعلمون الذين تنهش أجسادكم مخالب عصابات الفساد وشلل العبث المستبدة؛ فبينما تُهدر المليارات في ترف السلطة، يُختصر شرف المعرفة والعلم في علبة فول وعشرة كيلو جرامات من طحين المذلة.