آخر تحديث :الخميس-03 سبتمبر 2026-07:13ص

المدح والتطبيل بوابة صناعة اصنام سلطة العميل الفاسد

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 08:12 م
عبدالكريم الدالي


ان المشهد السياسي اليوم في واقع مدينة عدن المنكوبة وما تسمى مناطق محررة انتشار ثقافة المدح الزائف والتطبيل المريضة ، وهي ثقافة الوقود الأساسي لبناء هالة التقديس حول الحكام في الأنظمة الشمولية ، هذه الممارسات تحول البشر العاديين إلى أصنام لا تمس ، وتكرس الاستبداد والظلم والقهر عبر إلغاء العقل وتدجين المجتمع. .

و المديح المستمر يعزل الحاكم عن الواقع ، فيبدأ بتصديق أنه يمتلك حكمة خارقة لا يمتلكها غيره .

كما يتحول الحاكم في وعي الجماهير المدجنة من "موظف عام" معرض للخطأ، إلى "قائد ملهم" كل قراراته صائبة ، فتنجح آلة التطبيل في دمج مفهوم الوطن بشخص الحاكم ، بحيث يصبح نقد الحاكم خيانة للوطن ، وبقاء الوطن مشروطاً ببقائه .

ولأجل صناعة الأصنام السياسية يكون منع أي صوت معارض أو رأي حر ، وابراز إنجازات وبطولات وهمية وإخفاء الفشل ، وشيطنة المخالفين ، وتخوين كل من يرفض التبعية والتقديس ، وهكذا يتجسد الخطاب الأيديودلوجي للمطبلين باستخدام الإعلام لترسيخ فكرة القائد الأوحد ، فتكون النتيجة تدمير المؤسسات وتغييب القانون لصالح المزاج الفردي ، وانتشار الخوف والفساد وضعف الإنتاج المعرفي والمادي ، فيصبح الولاء للشخص لا للوطن أو المبدأ .

فالنظام الشمولي يسعى للسيطرة الكاملة على المجالين العام والخاص ، ويستخدم التطبيل كأداة ضبط اجتماعي ، لاحتكار الحقيقة فيمنع التعدد الفكري ، وتصبح الرواية الرسمية للنظام هي الحقيقة الوحيدة المتاحة والمسموح بها .

وبفرض هندسة الجهل والموافقة يُساق المجتمع نحو التخلي الطوعي عن حقوقه عبر إقناعه بأن التنازل عن الحرية هو ثمن ضروري للأمن أو الاستقرار .

والمنتفعين (المطبلين) الذين يرتبط بقاؤهم المادي والسياسي ببقاء الصنم يدافعون عنه بشراسة أكبر من الحاكم نفسه ، وعندما يصبح المدح والتطبيل هو المعيار الوحيد للوطنية تترتب على ذلك نتائج مدمرة منها موت الكفاءات وظهور أهل الثقة ويُستبعد المفكرون والمبدعون والمخلصون لأنهم يملكون رأياً مستقلاً، ويُقرب المنافقون وأشباه الأميين لأنهم يجيدون الانحناء ، وبسبب المدح الزائف والتطبيل تحجب الحقائق عن الحاكم فيتخذ قرارات كارثية بناءً على تقارير كاذبة تمدح إنجازاته الوهمية عند ذلك تنهار القيم الأخلاقية ويتحول النفاق إلى ذكاء، والصدق إلى حماقة ، والمطالبة بالحقوق إلى مؤامرة ، مما يؤدي إلى تآكل النسيج الأخلاقي للمجتمع .

إذن المدح الزائف والتطبيل بوابة صناعة اصنام سلطة العميل الفاسد .

ولاجل التخلص من الأصنام السياسية لا يبدأ بتغيير الحاكم فقط، بل بتغيير الثقافة التي تصنعه من خلال نشر الوعي النقدي وتدريب العقول على السؤال وعدم قبول التبريرات الجاهزة ، وتفكيك خطاب المدح الزائف والتطبيل الإعلامي بكشف أساليب التلاعب والمدح الزائف والتضليل التي تمارسها وسائل الإعلام الشمولية . والانتقال من فكرة "القائد المنقذ" إلى فكرة "المؤسسات والدستور" التي تحكم الجميع .


عبدالكريم الدالي