آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:44ص

نبض السنين .. رحلة الوفاء والتطبيب في أوائل العمل الصحي في الوضيع

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 10:28 ص
حسين سالم السليماني


حين نغوص في ذاكرة الزمن الجميل، وتحديداً في ربوع مديرية «الوضيع» الأبيّة، فإننا لا نستحضر مجرد تواريخ باهتة أو أسماء مرّت على عجالة، بل نتحسّس نبض حياة كاملة كافح فيها الإنسان ليصنع من العدم حياة، ومن الشظف أملاً. لقد كان زمناً ينبض بالتفاني الخالص، والإخلاص الذي يتخذ من خدمة الناس عبادة، حيث كانت البوصلة الإنسانية وحدها هي ما يوجه خطى الرواد الأوائل.

رعيل البدايات.. شمعة تحترق لتضيء عتمة الألم

يعود الفضل في غرس النواة الأولى للطب في «الوضيع» إلى أوائل خمسينيات القرن الماضي؛ حين أطلّ الطبيب الفذ بدر عبدالله صالح بدر ميسري كأول طبيب يطأ أرض المديرية. لم يكن الطبيب يومها ينتظر العيادات الفارهة ولا الأجهزة المعقدة، بل كان والده عبدالله صالح بدر يتخذ من «الوضيع» سكناً، بينما كان الابن ييمّم وجهه صوب مساكن المرضى، يحمل حقيبته البسيطة وقلباً ينبض رحمة، ليطرق باب كل علّة باحثاً عن شفائها.

وفي حقبة الخمسينيات ذاتها، امتدت يد الدولة –ممثلة بالسلطنة الفضلية– لتضع لبنة صحية فارقة بإنشاء أول صيدلية في المديرية، خلف المحكمة القديمة. وتولى زمام العمل فيها الطبيب صالح حسين الجبلي، القادم من أقاصي «المسيمير» بأبين، لتبدأ عجلات العمل الصحي تدور ببطء وثبات، معلنة ميلاد وعي صحي جديد.


لم تكن الخدمات الصحية متمترسة في المراكز الحضرية وحدها، بل امتدت كالجداول النقية تروي ظمأ القرى النائية. ففي منطقة «لبو» وتحديداً قرية «الحبيل»، هبطت طيور الود الإنساني ممثلة بمنظمة «اليونيسف»، حيث تطوع العامل الصحي حسين سالم صالح سعيد ليحمل راية التطبيب في زمن كانت فيه المحافظة بأسرها تفتقر لأدنى مقومات الخدمة الصحية. ومع اتساع رقعة الأمل، أُسّست الوحدة الصحية الرسمية في «لبو» عام 1972م، لتضطلع بمهامها الجليلة في التحصين، والرعاية، والعلاج.

ولم تتوقف المسيرة عند هذا الحد؛ بل امتدت الخيوط البيضاء لتصل إلى قرية «امركد» عام 1975م، لترفع عن كواهل القرى البعيدة عناء السفر، حيث تولى الأمانة العامل الصحي ناصر محمد الشاجري.

وفي مشهدٍ يجسد أروع معاني التكافل المجتمعي، انتفض أهالي منطقة «السواد» عام 1973م بمبادرة طوعية فريدة، فبأنفسهم وبأموالهم شيدوا أركان صيدلية متكاملة مع سكن للطبيب في قرية «الحردوب». وهناك، خُلد اسم العامل الصحي ناصر محمد الجعدني، الملقب بـ "كلمس"، الذي غدا ملاذاً واحداً ووحيداً لكل مساحات «السواد» الممتدة من «فريدة» شرقاً إلى «جحرة» غرباً. ومع اتساع جغرافيا الألم وبعد الشُقّة، وُلدت الوحدة الصحية في قرية «المشياف» بمنطقة «المقطن» عام 1988م على يد العامل الصحي محمد سالم محمد.


وفي منطقة البطان، تصنع الجغرافيا وشائج أقوى من حدود القرارات الإدارية. فعلى سبيل المثال، حُرم مركز «البطان» من وجود وحدة صحية خاصة به، لكنّ إنسانية الجوار أسعفته؛ إذ وجد الأهالي ضالتهم في قرية «جبلة بادح» التابعة لمديرية «مودية»، والتي احتضنت أول وحدة صحية قدمت خدماتها لأبناء المنطقة بكل تفان عبر الرواد أمثال أحمد سالم بادح. وتأكيداً لهذا الارتباط الوثيق، افتتح وكيل المحافظة آنذاك، محمد علي هادي السعدي، وحدة صحية جديدة في القرية عام 1986م، لتبقى «جبلة بادح» جزءاً لا يتجزأ من نسيج «البطان» الاجتماعي، رغم تشعب التقسيمات الإدارية التي جعلت نصفها الآخر يتبع «الوضيع».

أما منطقة «آل سعد» الواقعة شرق مركز المديرية، فقد استفادت من قربها الجغرافي من قلب المدينة ونشاطها الصحي. وخلفها اتجهت الأنظار نحو منطقة «أمنقع» في أواخر التسعينات، حين أثمر تنسيق نبيل قاده مدير مستشفى الوضيع الدكتور عارف باجراد مع الشخصية السياسية والاجتماعية الأستاذ حسين الصديق الجفة عن توفير بعض الأدوية وتخصيص غرفة متواضعة في مدرسة أمنقع، ليتحمل مسؤوليتها المؤقتة العامل الصحي حيدرة عبدالله امركوب. ورغم أن شعلة تلك الوحدة انطفأت لاحقاً لعدم استمرار التفعيل، إلا أن الضرورة الإنسانية لخدمة مجتمعي «أمنقع» و«آل سعد» تظل حارقة وملحة.


في عام 1983م، توجت مسيرة العطاء الصحي في مركز المدينة بإنجاز طال انتظاره؛ افتتاح أول مستشفى في المديرية. لم يكن مجرد مبنى، بل كان صرحاً طبياً متكاملاً فائق الكفاءة المهنية، يُجري العمليات الجراحية الدقيقة كاستئصال الزائدة الدودية وغيرها، مزوداً بمختبر، وأقسام متخصصة لرعاية الأطفال والنساء والرجال، وصالة طوارئ تستقبل الحوادث والمرضى بجهوزية تامة. بل والأكثر حكمة، تم بناء سكن خاص للكوادر الطبية لضمان استقرارهم وعدم تسرب الخبرات المؤهلة. لقد شكّل ذلك المستشفى نقلة نوعية كبرى، قبل أن يتجدد الحلم بافتتاح المستشفى الجديد عام 2002م. وكانت مناطق آل المارم مستفيدة من تلك الصروح الطبية لقربها، وهذا المستشفى الأخير يقع في جغرافية آل المارم.


إن «الوضيع» اليوم، شأنها شأن بقية المديريات، تتقاسم مع محيطها شرف تقديم الخدمة المتبادلة؛ فكثيراً ما تتبادل المستشفيات الحالات الحرجة أو تواجه الأوبئة بالتعاضد، ليلجأ المريض حيناً إلى المديريات المجاورة، أو شطر عاصمة المحافظة، وصولاً إلى مدينة عدن.

ولكن.. يبقى السؤال المعلق بحرقة على لسان التاريخ والواقع:

اليوم، تتوفر الإمكانيات المادية وتزخر الساحات بالطواقم البشرية المؤهلة، لكن «روح العمل والتفاني» التي ميّزت البدايات تكاد تكون مفقودة! لقد غاب ذلك الإخلاص العفوي والنبض الإنساني الخالص الذي لم يكن يبحث عن مقابل، بل كان يرى في شفاء مريض إنجازاً عظيماً وغاية كبرى.

إنها دعوة لاستحضار تلك الروح النبيلة، ليس فقط في مديرية «الوضيع»، بل في كل شبر ينبض بالحاجة إلى الضمير الحي والإنسانية الدافئة قبل أي شيء آخر.