ثمة أصوات في حياتنا تستطيع الحروف أن تصفها، وإن عجزت أحيانًا عن نقل جمالها.
نكتب صوت المطر، ونكتب حفيف الأشجار، وخرير الماء، وضحكة الطفل، وأنين العاشق...
لكن هناك صوتًا صغيرًا، لا يكاد يُسمع، ومع ذلك يستطيع أن يهز القلب ويوقظ جميع الحواس.
إنه صوت القبلة.
حاول أن تكتبه...
لن تجد له حرفًا.
حاول أن تصفه...
ستكتشف أن اللغة، بكل ما فيها من مفردات، فقيرة أمام تلك اللحظة.
فالقبلة ليست صوتًا يخرج من الشفتين وحسب؛ إنها لغة أخرى، لغة لا تحتاج إلى أبجدية، لأن القلب يفهمها قبل أن تسمعها الأذن.
نقبّل الحبيب، فنقول له دون كلام:
أحبك... اشتقت إليك... وجودك يعني لي الكثير.
وقد لا نقول شيئًا، لكن القبلة تقول كل شيء.
ونقبّل الرضيع...
ذلك الكائن الصغير الذي لم يتعلم بعدُ أسماء الأشياء، ولم يعرف من الدنيا إلا دفء أمه وملمس يديها.
نضع قبلة على خده الصغير، أو جبينه الناعم، فنشعر أننا لا نقبّله فقط، بل نحاول أن نملأ روحه بشيء من الحب قبل أن تأتي الأيام وتعلّمه أن في الحياة وجعًا أيضًا.
أما الشيخ الطاعن في السن، فلقبلته حكاية أخرى.
حين نقبّل جبينه أو يده، فنحن لا نقبّل شيخًا وحسب؛ نحن نقبّل عمرًا كاملاً.
نقبّل الأيام التي عبرت، والسنوات التي تركت خطوطها على وجهه، واليد التي أعطت، والكتف الذي حمل، والعينين اللتين رأتا من الدنيا ما لم نره.
قبلة واحدة على رأس رجلٍ أنهكه العمر قد تقول له:
ما زلت عزيزًا... وما زال في القلب مكان لك.
يا لها من قبلة!
كم هي صغيرة في حجمها، وكم هي كبيرة في معناها.
قد تكون قبلة أم لابنها، لكنها تحمل خوف الأم كله.
وقد تكون قبلة ابن على رأس أبيه، لكنها تحمل اعتذارًا عن سنوات لم يقل فيها ما كان ينبغي أن يقوله.
وقد تكون قبلة عاشقين، لكنها تختصر انتظارًا طويلاً.
وقد تكون قبلة وداع...
وهنا يصبح للصمت صوت آخر.
فكم من إنسان قبّل حبيبًا قبل أن يرحل، ولم يكن يعلم أن تلك ستكون آخر قبلة!
وكم من أم قبّلت ولدها عند الباب، ثم بقيت تلك القبلة معلقة في ذاكرتها سنوات طويلة.
نحن لا نتذكر دائمًا الكلمات التي قيلت لنا.
قد ننسى الجمل، والمواعيد، والحوارات الطويلة...
لكننا نادرًا ما ننسى قبلةً صادقة.
نتذكرها كما نتذكر رائحة بيت قديم، أو صوتًا عزيزًا، أو يدًا كانت تمسك بأيدينا.
فالقبلة لا تدخل من طريق واحد.
تراها العين، وتشعر بها الشفاه، وتلتقطها حاسة الشم، وتسمعها الأذن، ثم يستقبلها القلب دفعة واحدة.
ولهذا يبدو صوت القبلة غريبًا؛ فهو صوت لا يُسمع بالأذن وحدها.
إنه يُسمع بكل الحواس.
وربما لهذا السبب نتمنى أحيانًا أن يسمع الآخر وقع قبلتنا.
لا نريد منه أن يسمع صوتًا...
بل نريده أن يسمع ما وراء الصوت.
أن يسمع الشوق الذي لم نستطع قوله.
والحنان الذي خجلنا من التعبير عنه.
والخوف الذي أخفيناه.
والحب الذي عجزت الكلمات عن حمله.
فالقبلة الصادقة ليست مجرد تلامس شفاه...
إنها لحظة يتوقف فيها الكلام، وتتولى المشاعر الحديث.
ولهذا لا أظن أن أجمل القبلات هي تلك التي تحدث في بداية الحب فقط.
أجملها ربما تلك التي تأتي بعد أعوام طويلة من العشرة؛ حين يقبّل الرجل رأس زوجته، أو تقبّل المرأة جبين زوجها، فيكون خلف تلك القبلة عمرٌ كامل من المشاركة، والصبر، والخلاف، والمسامحة، والضحك، والبكاء.
هناك تصبح القبلة أعمق من الحب نفسه...
تصبح امتنانًا للحياة لأن هذا الإنسان كان فيها.
وفي النهاية...
لو سألني أحد:
كيف تكتب صوت القبلة؟
سأقول:
لا تحاول.
فبعض الأصوات خُلقت لتُشعَر، لا لتُكتب.
وبعض القبلات لا مكان لها على الورق...
لأن مكانها الحقيقي هو ذلك الموضع العميق في القلب، حيث لا تصل الحروف، ولا تموت الذكريات.
فإذا عجزت يومًا عن أن تقول لمن تحب ما في قلبك...
اقترب منه، وقبّله بحنان.
فربما كانت القبلة التي لا تستطيع اللغة كتابتها...
هي أصدق جملة يمكن لقلبك أن يقولها.
هل أنا محق في ذلك؟