آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:44ص

رسالة إلى مغرّد..

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 04:20 م
فيصل المفلحي


الحمد لله الذي جعل الأخلاق عنوان الإيمان، وصيانة اللسان من كمال الإحسان، ونهى عن السب والبهتان، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم.

أما بعد؛ فقد عمت البلية، وعظمت الرزية، في هذه المواقع الإلكترونية، حيث لبس الناس ثياب الطهارة في العلانية، وأضمروا خبايا الخباثة والدنيَّة.

ترى الرجل في مجلسه هيوبا نقيا، وبين أقرانه برا تقيا، لا ينطق بالفحش والعيب، ولا يسعى بالهمز والرّيب.

فإذا غاب عنه الرُّقباء، نزع قناع النُّبلاء،وصار شيطانا مريدا، وخصما عنيدا، فسلَّ لسانه كالحسام، وقذف الأنام بالسهام، فلا يسلم منه صاحب ولا جار، ولا يستر عرضا ولا يحفظ جوار، قد جعل هاتفه مِعْول هدم، وسعى بين الناس بالظلم والظن والذم.

يا هذا، إن الهاتف لا يرفع عنك الحساب، والشاشة لا تحجب عنك رب الأرباب، وما تخفيه عن الناس ظاهرٌ عند الله، وما تكتبه بيدك محفوظٌ في كتابك، وستلقى يومًا صحيفةً لا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصتها.

إن السبَّ ليس شجاعة، والافتراء ليس صراحة، والتشهير ليس نصحًا، والسخرية ليست نقدًا، والوقاحة ليست جرأة.

وما أكثر من يطلب الحق بلسانٍ باطل، وينصر الصواب بأسلوبٍ خاطئ، ويريد الإصلاح فيفسد، ويريد النصيحة فيفضح، ويريد بيان الحقيقة فيضيف إليها من عنده ما ليس منها!

وقد يكون بينك وبين الرجل خلافٌ في رأي، فإذا بك تجعله خصومةً في العرض، وخلافًا في الدين، وطعنًا في النيات!

يا معشر الكاتبين والمعلّقين:

اتقوا الله في كلماتكم؛ فإن الكلمة إذا خرجت من الفم مضت، وإذا خرجت من الهاتف انتشرت، وربما بلغ مداها ما لم يبلغه صاحبها، وبقي أثرها بعد أن نسي كاتبها أنه كتبها.

وإذا اختلفتَ مع شخص فلا تفجر، وإذا غضبتَ فلا تظلم، وإذا نقدتَ فلا تسب، وإذا سمعتَ فلا تصدق حتى تتثبت، وإذا نقلتَ خبرًا فاسأل: أهو حق؟ وإذا أردتَ نشره فاسأل: أهو خير؟

ونقول لهذا وذاك:

ويح المرتاب، أين مفرك يوم الحساب؟

يوم تشهد عليك الأصابع والجلود، وتنطق النفس بما كانت عنه تذود.

خلوت بالهاتف فساء عملك، وخاب فيك أملك، طعنت في الأعراض باسم مُستعار، وأشعلت في الحرمات لهيب النار، فما ربحت تجارتك، ولا سلمت سريرتك.

فأفق يا هذا من سكرتك، واحذر من شؤم نقمتك، واجعل أناملك شريكة في الخيرات، لا سائقة لك إلى المهلكات، فالإثم ما حاك في الصدر وإن أخفيته، والحق يعلمه المولى وإن واريته.

فطوبى لمن إذا كتب، كتب خيرًا؛ وإذا نقد عَدَل؛ وإذا اختلف، أدّب؛ وإذا غضب أمسك؛ وإذا أخطأ اعتذر.

فالكلمة أمانة، والسبُّ جناية، والافتراء مظلمة، والهاتف شاهد… والله من وراء ذلك كله محيط.