ما يجري على الساحل الغربي ليس تفصيلًا عابرًا، ولا مجرد خلافات بين تشكيلات عسكرية، ولا معركة نفوذ يمكن اختزالها في بيانات وتصريحات. القضية أكبر من ذلك بكثير؛ إنها معركة على موقع استراتيجي يطل على البحر الأحمر، وعلى شريان بحري دولي، وعلى بوابة يمكن أن تتحول ــ إذا سقطت ــ إلى ورقة ابتزاز إقليمية خطيرة.
ومنذ زمن، كانت هناك تحذيرات من خيانات وتلاعبات سياسية وعسكرية تستهدف قوات الساحل، لكن كثيرين اختاروا تجاهلها، وبعضهم فضّل تكذيب كل صوت يحذر من مخاطر المشروع الإخواني وأهدافه في الساحل.
أما اليوم، فالسؤال لم يعد: هل كانت التحذيرات صحيحة؟
السؤال الحقيقي هو: كم ثمنًا سيدفعه أبناء الساحل حتى يقتنع الذين ظلوا يكذبون الحقيقة؟
الحوثي لا ينظر إلى الساحل كأرض عادية. عيناه على المواقع المطلة على البحر الأحمر، وعلى الممرات الدولية، وعلى المدن الساحلية، وعلى خطوط التهريب والإمداد. وكل موطئ قدم جديد للحوثي على الساحل يعني تهديدًا يتجاوز حدود اليمن إلى أمن الملاحة والمنطقة بأسرها.
وفي المقابل، تُستنزف قوات المقاومة الوطنية في معارك شاقة، وتقاتل بما هو متاح، بينما تتعرض مخازنها ومواردها العسكرية للاستنزاف المستمر.
وهنا تتكشف خطورة العبث السياسي.
فبدلًا من توحيد البندقية في مواجهة الحوثي، تظهر محاولات لإعادة تشكيل المشهد العسكري، وفرض ترتيبات جديدة على قوات الساحل، وكأن المطلوب ليس تحرير الأرض، بل إعادة هندسة القوة العسكرية على حساب المعركة نفسها.
وإذا كان الهدف هو إجبار قوات الساحل على الدخول في تشكيلات أخرى تحت مسميات جديدة، بينما يواصل الحوثي الضغط والتقدم، فهذه ليست إدارة للمعركة، بل مقامرة بمصير الجبهات وبدماء الرجال.
والأخطر أن من سيدفع الثمن في النهاية ليس أصحاب الصفقات ولا أصحاب الحسابات السياسية، وإنما أبناء الناس الذين يقفون في المتارس، وأسر الشهداء، والجنود الذين لا يعرفون من السياسة إلا أنها قد ترسلهم إلى الجبهة وتتركهم وحدهم أمام النار.
نحن لا نحتاج إلى معارك جانبية.
نحتاج إلى معركة واحدة واضحة: الحوثي أولًا.
نحتاج إلى توحيد الجبهات، وتوحيد القرار العسكري، وقطع شرايين التهريب، وحماية الساحل، ومنع الحوثي من الوصول إلى المواقع التي تمنحه قدرة أكبر على تهديد البحر الأحمر والممرات الدولية.
أما تحويل المعركة إلى صراع على تشكيلات وولاءات ومواقع نفوذ، بينما العدو يراقب ويتقدم، فذلك هو العبث بعينه.
لقد قلناها من قبل، ونقولها اليوم بوضوح أكبر:
من يريد إنقاذ الساحل، فليدعم قوات الساحل. ومن يريد مواجهة الحوثي، فليفتح الجبهات أمام الحوثي. ومن يريد حماية الناس، فليضع الخلافات السياسية جانبًا عندما تبدأ المدافع بالكلام.
أما أن تُترك جبهة مشتعلة، ويُطلب من مقاتليها أن يدفعوا الثمن، ثم تُدار المعركة من خلف الستار بحسابات سياسية، فهذه وصفة لا تنتج إلا مزيدًا من الدم والخراب.
والحقيقة، مهما كانت مرة، تظل أرحم من الكذبة التي تُدفن معها الجبهات.
اليوم لم يعد وقت المجاملات.
إما أن تُعلن مواجهة شاملة ومنظمة في مختلف الجبهات، ويُحشد كل ما يمكن حشده لوقف الحوثي، أو سيأتي يوم لا تنفع فيه البيانات ولا التبريرات ولا محاولات التنصل من المسؤولية.
فالذي يرى النار تقترب من البيت ثم ينشغل بمن سيحمل مفتاح الباب، لا يحق له أن يتساءل غدًا: كيف احترق البيت؟
والله شاهد على ما نقول، والتاريخ وحده سيكشف من وقف مع الجبهة عندما كانت بحاجة إلى الرجال، ومن وقف خلف الستار يحسب المكاسب بينما كان أبناء الناس يدفعون الدم.