آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-03:50م

لماذا ابن الوزير؟ (2)

السبت - 05 سبتمبر 2026 - الساعة 01:17 م
عمر الحار


لماذا ابن الوزير؟

إن السياسة وحدها ربما تملك مفتاحًا مهمًا لفهم الإجابة؛ لأن تقييم القيادات لا ينبغي أن يُبنى دائمًا على الرغبة في التغيير لمجرد التغيير، ولا على قاعدة أن بقاء المسؤول في موقعه فضيلة بحد ذاتها، وإنما على سؤال أكثر عمقًا: ماذا تحتاج المرحلة؟ ومن هو الأقدر على حمل أثقالها؟

وهنا تبدأ المسألة.

فشبوة ليست محافظةً عادية في معادلة اليمن؛ فهي جغرافيا واسعة، وثقل اجتماعي وقبلي، وموقع اقتصادي واستراتيجي، وثروات وموارد، فضلًا عن تاريخ سياسي جعلها في كثير من المنعطفات واحدةً من أكثر المحافظات تأثرًا بتقلبات المشهد الوطني.

ولذلك فإن إدارة شبوة لا تشبه إدارة مؤسسة يمكن تغيير رأسها كلما تبدلت الظروف، ولا يمكن اختزال المسألة في اسم محافظ يأتي وآخر يغادر، وكأن الأمر لا يتجاوز تبديل المواقع فقط.

فالقيادة السياسية في شبوة مرتبطة قبل كل شيء بقدرتها على إنتاج الاستقرار، وحماية التوازنات، وفتح أبواب التنمية، وإدارة المصالح المتعارضة دون تحويل الاختلاف إلى صراع.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، سبق ذكري في اكثر من مناسبة بان تجربة الشيخ عوض ابن الوزير جديرة بالقراءة بعيدًا عن العاطفة، وبعيدًا كذلك عن الخصومة السياسية.

فالرجل لم يصل إلى قيادة المحافظة في زمنٍ طبيعي؛ بل جاء في مرحلة كانت فيها شبوة بحاجة إلى إعادة ترتيب كثير من أوراقها، وإعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية، في ظل واقع يمني شديد التعقيد.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في التجربة.

فابن الوزير لم يتعامل مع شبوة باعتبارها مجرد منصب إداري، وإنما دخل إليها بثقل اجتماعي وسياسي كان حاضرًا قبل المنصب، الأمر الذي منح موقع المحافظ مساحةً أوسع للحركة، وجعل قدرته على التواصل مع مختلف الأطراف جزءًا من أدوات إدارته للمشهد.

وهذه مسألة سياسية بالدرجة الأولى.

فالقيادة في البيئات المركبة لا تُقاس فقط بما يستطيع المسؤول أن يوقعه من قرارات، وإنما بما يستطيع أن يمنعه من أزمات، وما يستطيع أن يجمعه من أطراف، وما يستطيع أن يبنيه من توافقات.

ولعل هذا هو الفارق بين من يدير السلطة، ومن يستطيع أن يدير المرحلة.

وقد يكون من السهل على أي سياسي أن يرفع شعار التغيير، وأن يقدم نفسه بوصفه البديل الأفضل، لكن الأصعب هو أن يجيب عن سؤالين لا يمكن القفز فوقهما:

ما الذي سيأتي به؟ وكيف سيحافظ على ما تحقق؟

فالسياسة ليست مسابقةً في تغيير الأسماء، وإنما امتحان في القدرة على المحافظة على المكتسبات، وتوسيعها، ومنع المحافظة من العودة إلى مربع الصراعات التي دفعت ثمنها طويلًا.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى استمرار أي قيادة ليست دعوةً إلى تقديس الأشخاص، كما أن المطالبة بالتغيير ليست دليلًا تلقائيًا على امتلاك البديل للكفاءة.

المعيار الحقيقي هو المصلحة العامة.

وحين تكون المرحلة حساسة، فإن الاستقرار يصبح جزءًا من التنمية، وتصبح الثقة السياسية رأس مال لا يقل أهمية عن المال الذي تستقطبه المحافظة لمشاريعها.

وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة ابن الوزير بحاجة إلى قراءة مختلفة.

فقد استطاع الرجل، خلال وجوده في قيادة المحافظة، أن يضع نفسه في مساحة سياسية تتجاوز حدود الوظيفة الرسمية، وأن يستفيد من رصيده الاجتماعي والسياسي في بناء علاقات أوسع من حدود الجهاز الإداري المحلي.

وليس المقصود هنا أن التجربة بلا أخطاء؛ فليس هناك مسؤول أو تجربة سياسية معصومة من النقد، ولا ينبغي أن تتحول الكتابة عن النجاح إلى مصادرة لحق المجتمع في السؤال والمراجعة.

لكن الإنصاف يقتضي أن نضع النجاح والإخفاق في ميزان واحد، وأن نسأل قبل الحكم:

هل كانت كلفة بقاء القيادة الحالية أقل من كلفة الذهاب إلى المجهول؟

وهل البديل المطروح يملك، فعلًا، الأدوات السياسية والاجتماعية والإدارية التي تمكنه من مواصلة ما بدأته المحافظة، أم أن المسألة مجرد رغبة في الوصول إلى الموقع؟

هنا فقط يصبح السؤال عن «لماذا ابن الوزير؟» أكثر عمقًا.

لأن الإجابة لا تتعلق بالرجل وحده، وإنما بطبيعة المرحلة التي يقودها، وبحجم التوازنات التي يديرها، وبالمسافة التي قطعتها شبوة في طريق الاستقرار والتنمية، والحاجة إلى ألا يتحول التغيير من وسيلة للإصلاح إلى مغامرة تعيد ترتيب المشهد من نقطة الصفر.

ثم إن شبوة لا تحتاج اليوم إلى من يأتي إليها ليكتشفها، بقدر حاجتها إلى من يعرف ثقلها، ويدرك تعقيداتها، ويملك القدرة على تحويل مواردها وعلاقاتها وثقلها الاجتماعي إلى قوة دفع باتجاه المستقبل.

وهنا أجدني مضطرًا إلى العودة مرة أخرى إلى السؤال:

لماذا ابن الوزير؟

ربما لأن المرحلة، بكل ما فيها، تحتاج إلى رجلٍ يعرف شبوة من الداخل، ويعرف كيف يتحدث مع مجتمعها، وكيف يخاطب الدولة، وكيف يفتح أبواب الدعم والاستثمار، وكيف يحافظ على التوازن في منطقة لا تحتمل كثيرًا من التجارب غير المحسوبة.

وربما لأن السياسة في مثل هذه المراحل لا تكافئ دائمًا الأكثر صخبًا، وإنما تكافئ الأكثر قدرة على صناعة التوافق، وتحويل الثقة إلى موارد، والموارد إلى مشاريع، والمشاريع إلى مستقبل.

أما الحكم النهائي، فلا ينبغي أن نصدره من الانطباعات.

فالمشاريع هي التي ستتكلم.

وفي الحلقة الأخيرة، سنترك الأرقام والقطاعات والوقائع تقول كلمتها؛ لنرى ماذا فعلت هذه القيادة على الأرض، وما الذي يمكن أن تقوله شبوة بنفسها عن تجربة ابن الوزير.

فبعد السياسة تأتي الشهادة الأقوى:

شهادة الواقع.

إلى الحلقة الثالثة والأخيرة.