آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-12:32م

مسرحية الشرعية.. والثمن دم الجنوب

السبت - 05 سبتمبر 2026 - الساعة 03:14 م
عبدالرحيم المحوري


منذ سنين ونحن نُستنزف في نفس الفيلم. يتغير العنوان كل مرة: وحدة، شرعية، دين، وطنية. لكن المخرج واحد والهدف واحد، إشغال الجنوبيين بحروب داخلية حتى لا يروا النهب المنظم لخيراتهم.*


*الذي يسمون "انقلابيين" و "شرعية" ليسوا خصوماً حقيقيين، بل وجهان لعملة واحدة اسمها إبقاء الجنوب تحت الوصاية الشمالية. نرى ذلك بأعيننا كل يوم. قيادات إخوانية في تعز والجوف ومأرب تسلم ألويتها للحوثي ثم تتجه بأسرها نازحة إلى عدن ولحج وأبين. لا قتال ولا مقاومة، فقط تسليم وتسلم. وبالمقابل بنك عدن يواصل دفع رواتب تعز والحديدة والجوف ومأرب كاملة وهي تحت سيطرة الحوثي، بينما جرحى الجنوب وأسر شهدائه يتسولون. أي شرعية هذه التي تمول عدوك وتترك أبناءك؟*


*الخطوط كلها مفتوحة ولا تنقطع. النفط والغاز والجمارك والاتصالات والبريد والطيران، كلها شغالة بين "المحرر" و"صنعاء". ويمنعون أي جهة جنوبية تحاول إغلاقها، لأن إغلاقها يعني الاعتراف بأن هناك دولتين، وهذا ما يخافونه. وحتى الفتوى جاهزة عندهم. اليوم الجهاد ضد الروافض واجب لحرق شباب الجنوب في جبهات عبثية، وبالامس طلع نائب وزير الخارجية النعماني على قناة العربية وقالها صريحة إن التحالف مع الحوثي ممكن لمنع ذهاب الجنوب لاستعادة دولته. إذن الخطر الحقيقي عندهم ليس الحوثي، الخطر الحقيقي هو فك الارتباط.


*ولنسأل سؤالاً بسيطاً، الحوثي الذي أسقط محافظات الشمال وعشرات الألوية خلال ساعات، لماذا عجز لسنوات عن حسم بضع مديريات في مأرب وتعز؟ الجواب واضح. لأنه يعلم أن سقوط آخر معقل شمالي يعني انتهاء شرعية الشمال بالكامل. وحينها لن يبقى في المشهد إلا الجنوب، وسيصبح هو صاحب الشرعية والأمر الواقع أمام العالم، وسيضطر العالم للتعامل معه مباشرة. لذلك اتفقوا على إبقاء كم مديرية "مقاومة" وهمية، وعلى بقاء حكومة في فنادق الخارج، وعلى إبقاء الحرب مشتعلة. الهدف لم يكن يوماً استعادة صنعاء، الهدف كان دائماً استنزاف الجنوب.*


*اليوم التركيز الأول ليس على الحوثي بل على فتح جبهات جديدة داخل الجنوب. شباب الجنوب صاروا وقوداً، ويريدون تغيير اسم "العمالقة الجنوبية" إلى "العمالقة اليمنية" عمداً، حتى إذا سقطوا شهداء ظهروا في الإعلام كيمنيين لا كجنوبيين. دم جنوبي باسم يمني. وفي الوقت نفسه تتدفق ملايين النازحين من الشمال إلى عدن وأبين ولحج وشبوة وحضرموت والمهرة بحجة الحرب، والهدف تغيير التركيبة السكانية وتذويب الهوية. ويكملون ذلك بتجويع ممنهج، بانهيار الخدمات وأزمات مفتعلة، حتى يبقى المواطن الجنوبي يفكر بلقمة العيش فقط ولا يفكر بوطن.*


*لا نجلد أنفسنا، لكن لنكن صادقين. انقسامنا هو سلاحهم الأقوى. كلما وجد أحدهم فرصة ظن أنه هو فقط من سيحكم الجنوب فأقصى أخاه. وصدقنا خطوط أحزابهم وفتاويهم التي رسموها لنا، هذا إرهابي وهذا مناطقي وهذا عميل. بينما هم متفقون في صنعاء على شيء واحد، أن الجنوب يجب أن لا تقوم له قائمة. ولهذا كل يوم نبتعد عن الوطن المنشود خطوة، وهم يقتربون من هدفهم خطوة.*


*ما يحدث ليس حرب وطن. هذه مؤامرة إدارة أزمة. الحوثي يحكم الشمال، والإخوان يحكمون الجنوب بالوكالة، وشرعية الفنادق تقبض الثمن، والجنوبي وحده يدفع الثمن دماً وكرامة وخيرات.*


*لن تنتهي هذه الدوامة إلا إذا كسرنا تبعيتنا العمياء لأحزاب رسمت خطوطها في صنعاء، وإذا أدركنا أن عدونا الحقي ليس أخاك الجنوبي المختلف معك، بل المشروع الذي يريدنا جميعاً عبيداً في أرضنا.*


*"إذا لم نوحد صفنا اليوم، سنبكي غداً على وطن بعناه رخيصاً بأوهام الوطنية الكاذبة".*