آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-12:32م

المضايق البحرية والتوازنات الإقليمية: معادلة الأمن والاقتصاد في السياسة السعودية

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 10:18 ص
أ.د. خالد سالم باوزير


تتمتع المملكة العربية السعودية بموقع جغرافي استراتيجي يطل على البحر الأحمر، فضلاً عن كونها قوة اقتصادية ونفطية ذات وزن ثقيل في المنطقة العربية، وقربها الجغرافي المباشر من مضيق باب المندب. كما تشرف المملكة على الخليج العربي الذي تُصدّر عبره معظم نفطها؛ إذ يمر نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط الخام عبر مضيق هرمز.


إن الولايات المتحدة الأمريكية لو أرادت إنهاء نفوذ الجماعة الحوثية لفعلت ذلك، لكنها قد ترغب في إبقائها مترسخة بالمنطقة لاستخدامها كفزاعة، نظراً لارتباطها المباشر بإيران ضمن أجندة واحدة، بوصفها إحدى أذرعها ومخالبها الإقليمية.


وفي المقابل، تذهب بعض دول الخليج—ولا سيما الإمارات—إلى اعتماد سياسات خاصة خارج السرب العربي، يرتبط بعضها بعلاقات مع الهند وطرف آخر غير مرغوب فيه عربياً، ولن ندخل في تفاصيل ذلك. أما سلطنة عُمان، فلديها علاقات متميزة وممتدة مع إيران منذ سبعينيات القرن الماضي حين وقفت معها في وجه ثورة ظفار، وهو تاريخ مدون.


ومن ثم، لن تضحي مسقط بهذه العلاقة التي يتداخل فيها النفوذ والمصالح المشتركة؛ حيث تشرف الدولتان معاً على مضيق هرمز: عُمان من الساحل الخليجي العربي، وإيران من الساحل المقابل.


وإذا ما اتجهت السعودية نحو إيجاد حلول سلمية وتفاوضية مع إيران، فمن المتوقع أن تقف معها قطر والكويت والبحرين، مع ضرورة انضمام مصر واليمن إلى هذا المسار؛ إذ إن عرقلة الملاحة في باب المندب تؤدي حتماً إلى تراجع أعداد السفن المارة بقناة السويس، مما يؤثر سلباً على إيرادات القناة، وهو ما لا تريده القاهرة.


وبذلك، يشكل مضيقا هرمز وباب المندب أوراق تفاوض حاسمة بيد إيران في مواجهة الولايات المتحدة ودول الخليج.

إن إنهاء النفوذ الإيراني في باب المندب يظل مرهوناً بسقوط النظام الحوثي في اليمن؛ إذ سيبقى يشكل تهديداً مستمراً وينفذ الأجندة الإيرانية ما لم يُستأصل.


وكان بإمكان الشرعية—لو توفرت الإرادة الصارمة—أن تُسقط نظام صنعاء بسهولة، لا سيما مع فرض الحصار على طهران. أما مضيق هرمز، فإن السيطرة الإيرانية عليه مطلقة ولن تتخلى عنها طهران بسهولة، مما يضع أمريكا أمام مسؤولية إزالة الخطر الإيراني.


ودون ذلك، يتوجب على السعودية التفكير في بدائل عمليّة؛ فالعمل الدبلوماسي وحده لن يجدِ نفعاً مع نظام الملالي الذي يستغل اللقاءات والمفاوضات لكسب الوقت، وترتيب بيته الداخلي، وفرض قبضة حديدية على الداخل رغم أزماته الاقتصادية وانهيار عملته أمام الدولار.


ولو قادت السعودية تحالفاً دولياً وإقليمياً متماسكاً، لإمكان تحويل مضيق هرمز إلى ممر تجاري دولي مؤمّن. وحينها لن تقف دول مثل الصين واليابان والهند ضد هذا التوجه، بل ستدعمه دبلوماسياً.


وتأكيداً على خطورة أزمة المضايق، بدأت الصين بالفعل بالتفكير في بدائل استراتيجية نحو مصر القريبة من أوروبا، وما زيارة الرئيس الصيني للقاهرة إلا رسالة لطهران بمفادها أن البديل الموثوق موجود في دولة محورية تملك القوة والأيدي العاملة والمقومات الصناعية، وهو ما ينعكس إيجاباً على اقتصاد الشعب المصري.


ومع ذلك، فإن أزمة هرمز وباب المندب تشير إلى أن الحسم العسكري قد يكون الخيار الوحيد المجدي؛ إذ بدون فرض القوة لن يتحقق أمن ولا سلام دائم في الخليج، وستظل إيران تبحث عن مخالب وحيل جديدة للالتفاف على الحصار الأمريكي.


فالشعب الإيراني ورغم معاناته المتفاقمة، يجد صعوبة بالغة في المواجهة والتغيير أمام بطش الحرس الثوري وقوات الباسيج.

ويبقى السؤال المحوري الذي يستدعي إجابة عملية: هل بمقدور الولايات المتحدة بناء تحالف صلب لإسقاط نظام الملالي؟


في المقابل، تسعى المملكة العربية السعودية—بحكم موقعها الاستراتيجي وحرصها على تجنيب المنطقة ويلات الحروب—إلى اعتماد الخيارات الدبلوماسية والحلول المتوازنة.


والزمن كفيلٌ بأن يكشف أياً من النهجين سيكون الأكثر نجاحاً في التعاطي مع إيران: الخيار الأمريكي أم الرؤية السعودية؟ فالأيام القادمة كفيلة بإظهار حقائق كثيرة ربما كانت غائبة عنا.


والله من وراء القصد .