لعل من أكبر مآسي اليمن أن جماعة الإخوان المسلمين تمكنت، على مدى عقود، من التغلغل في مفاصل الدولة،
مستفيدة من ظروف إقليمية ودولية متعاقبة، بدأت حين جرى توظيف التيار الديني في مواجهة المد الاشتراكي،
والخوف من تمدد المعسكر الشرقي في جنوب الجزيرة العربية.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، توسعت المعاهد العلمية ومراكز التدريب والعمل الديني في الجمهورية
العربية اليمنية آنذاك، فكانت تلك البيئة فرصة لبناء تنظيم واسع النفوذ، لم يكتفِ بالعمل الدعوي، بل راكم حضورًا
اجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا امتد إلى مؤسسات الدولة.
ومع قيام الوحدة اليمنية وإعلان التعددية السياسية، وجد الإخوان في التحالفات السياسية التي نسجها علي عبدالله صالح
فرصة ذهبية للانتقال من النفوذ إلى الشراكة في الحكم، والتغلغل أكثر في مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة
العسكرية.
ومع مرور السنوات، تحولت قوة التنظيم إلى نفوذ سياسي واقتصادي واسع، وبرزت اتهامات وانتقادات حادة بشأن
استغلال النفوذ والمال العام وبناء الثروة تحت غطاء الخطاب الديني، حتى بدا المشهد اليمني وكأن الدين أصبح، لدى
بعض المتنفذين، وسيلة للصعود السياسي، لا قيمةً لحماية المجتمع.
ثم جاءت أحداث 2011، فوجد الإخوان أنفسهم أقرب من أي وقت مضى إلى مركز السلطة. لكن تجربة المرحلة
الانتقالية كشفت فجوة كبيرة بين القدرة على المعارضة والتحريض والحشد، وبين القدرة على إدارة دولة منهكة وبناء
مؤسسات مستقرة.
وجاءت مخرجات الحوار الوطني محملة بتسويات هشة، لم تستطع القوى السياسية تحويلها إلى مشروع دولة قابل
للحياة، قبل أن ينفجر المشهد مجددًا، ويدخل اليمن مرحلة أكثر قسوة منذ عام 2015.
ومنذ ذلك الحين، حرصوا على إدارة المعارك الإعلامية أكثر من إدارة المعارك على الأرض، حتى أصبح الصراع
الافتراضي أحيانًا أكثر ضجيجًا من المعركة الحقيقية، فيما كانت مؤسسات الدولة تضعف وتتآكل.
واختطفوا اسم «الجيش الوطني» ليمنحوا تشكيلاتهم صفةً لا تصنعها التسمية؛ فالجيش الوطني هو جيش الدولة،
وولاؤه للوطن والقانون، لا لحزب أو جماعة أو تيار.
ولا نبالغ إذا قلنا إن من أوصل اليمن إلى ما نحن عليه اليوم هي هذه الجماعة، التي لا تملك إرادة البناء، ولا المرونة
السياسية، ولا مشروعًا واضحًا، ولا نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها؛ فهي لم تقدم نجاحًا إداريًا أو عسكريًا يوازي حجم
حضورها السياسي، بل تحولت إلى خنجر في خاصرة وطنٍ منهك.
ومن يراهن على أن هذه الجماعة، التي احتمت بعباءة الشرعية في مراحل مختلفة من الصراع اليمني، ستنتصر أو
تبني وطنًا، فهو واهم جدًا.
فجماعة تقدم ولاءها التنظيمي على المصلحة الوطنية، وتضع حسابات التنظيم فوق حسابات الدولة، لن تبني لليمن
مستقبلًا مختلفًا؛ بل ستعيد إنتاج الأزمة نفسها.
فاليمن لا يحتاج إلى جماعة تتقدم على الوطن، بل إلى وطن يتقدم على الجميع.