آخر تحديث :الأحد-06 سبتمبر 2026-05:33م

صراع الحوثيين والشرعية اليمنية في الإعلام الدولي: تحليل للسرديات الأمريكية والأوروبية

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 01:26 م
د. جمال الهاشمي


يعد الصراع اليمني بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا من أكثر الصراعات تعقيدا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب امتداده العسكري والسياسي، وإنما بسبب تعدد مستوياته وتشابك أبعاده المحلية والإقليمية والدولية.

وقد انعكس هذا التعقيد بصورة واضحة على الإعلام الدولي الذي لم يقدم الحرب اليمنية ضمن روايات ثابتة وانما أعاد تأطيرها بصورة مستمرة وفقا لتطور الأحداث وتغير المصالح الدولية المرتبطة بها.

فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 مرورا بالتدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية عام 2015 ثم مرحلة الهدنة والمفاوضات وصولا إلى هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 انتقلت صورة الصراع في الإعلام الدولي من أزمة يمنية داخلية إلى صراع إقليمي ثم إلى ملف يرتبط بأمن الملاحة العالمية والحرب في غزة والتنافس بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويكتسب الإعلام الأمريكي والأوروبي أهمية خاصة في تشكيل الصورة الدولية للصراع اليمني نظرا إلى التأثير الكبير الذي تتمتع به مؤسسات مثل رويترز، أسوشيتد برس، بي بي سي، سي إن إن، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، الغارديان، لوموند.

ولا تعمل هذه المؤسسات ضمن إطار تحريري واحد إلا أن تغطيتها تشترك في إعادة إنتاج مجموعة من المفاهيم الأساسية المتعلقة بشرعية الحكومة اليمنية وطبيعة الحوثيين والتدخل الإيراني والدور السعودي والإماراتي والأزمة الإنسانية وأمن البحر الأحمر.

ويؤدي اختلاف الأولويات التحريرية بين هذه المؤسسات إلى ظهور صور متعددة للصراع لكنها تلتقي في نقطة أساسية تتمثل في الاعتراف بالحكومة اليمنية بوصفها السلطة المعترف بها دوليا مع التعامل مع الحوثيين بوصفهم قوة أمر واقع تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن.

ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 كان الإطار الرئيسي في الإعلام الدولي هو إطار الصراع على الدولة اليمنية وقد ظهرت الحكومة اليمنية في التغطية الدولية بوصفها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا بينما ظهر الحوثيون بوصفهم جماعة مسلحة تمكنت من السيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة واستمر هذا التمييز القانوني والسياسي في الخطاب الدولي حتى مع توسع سيطرة الحوثيين.

وهنا نجد أن المجتمع الدولي لم يمنح الجماعة الاعتراف كحكومة شرعية لليمن وإنما تعامل معها كطرف رئيسي في النزاع وسلطة أمر واقع في المناطق التي تسيطر عليها، وفي المقابل احتفظت الحكومة اليمنية باعتراف المؤسسات الدولية بها ومثلت الدولة اليمنية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

غير أن الاعتراف الدولي بالحكومة لم يتحول إلى صورة إعلامية إيجابية أو إلى تقديمها كسلطة قوية ومتماسكة. فقد ركزترويترز وأسوشيتد برس بصورة متكررة على الانقسامات السياسية والعسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين وعلى اعتماد الحكومة على الدعم السعودي وعلى التنافس بين القوى اليمنية المختلفة.

وتشير رويترز في تغطيتها الحديثة إلى أن الحكومة المعترف بها دوليا تتمركز أساسا في الجنوب وتحظى بالدعم السعودي في حين يسيطر الحوثيون على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال مع استمرار الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

  وتقدم أسوشيتد برس صورة مشابهة عندما تتناول مجلس القيادة الرئاسي والصراعات بين القوى المختلفة داخل المناطق الخاضعة للحكومة وحلفائها.

وبذلك نشأت في الإعلام الدولي فجوة واضحة بين الشرعية القانونية والفاعلية السياسية؛ فالحكومة تمتلك الاعتراف الدولي ولكنها لا تمتلك السيطرة الكاملة على الأراضي اليمنية ولا تحتكر القوة العسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

وفي المقابل لا يمتلك الحوثيون الاعتراف الدولي كحكومة ولكنهم يمتلكون سيطرة فعلية على العاصمة وعلى معظم مناطق الكثافة السكانية في شمال البلاد إضافة إلى مؤسسات أمنية وعسكرية أكثر مركزية وقدرة على اتخاذ قرارات موحدة.

وقد جعل هذا الوضع الإعلام الدولي يتعامل مع طرفين مختلفين في طبيعة القوة؛ حكومة شرعية من الناحية القانونية لكنها مجزأة من الناحية الميدانية وجماعة غير معترف بها كحكومة لكنها تمتلك سلطة فعلية على مساحة واسعة من البلاد.

ومع التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في مارس 2015 انتقلت التغطية الدولية إلى إطار جديد تمثل في البعد الإقليمي للحرب. فقد أصبح الصراع اليمني يقدم بصورة متزايدة باعتباره جزءا من التنافس السعودي الإيراني. وبرزت في أسوشيتد برس ورويترز ووسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية تعبيرات تربط الحوثيين بإيران، مثل الحوثيين المدعومين من إيران أو الحوثيين المتحالفين مع إيران. وقد أدى هذا الإطار إلى نقل الحرب من كونها صراعا يمنيا على السلطة إلى كونها جزءا من التوازنات الإقليمية في الخليج والشرق الأوسط.

لكن هذا التأطير رغم أهميته، أدى أحيانا إلى تقليص البعد اليمني الداخلي للصراع؛ فالتركيز على السعودية وإيران يمكن أن يجعل اليمن يبدو وكأنه ساحة لحرب بالوكالة بين قوتين إقليميتين.. في حين أن جذور الحركة الحوثية تعود إلى تطورات سياسية واجتماعية ومذهبية وعسكرية داخل اليمن.

كما أن المعسكر المناهض للحوثيين لم يكن كتلة واحدة مرتبطة بالسعودية فقط بل ضم قوى سياسية وعسكرية ومناطقية متعددة لكل منها أهدافها الخاصة وعلاقاتها المختلفة مع السعودية والإمارات والقوى الدولية، وتختلف درجة التركيز على هذه الأبعاد بين المؤسسات الإعلامية الأمريكية والأوروبية؛ فالإعلام الأمريكي، خصوصا سي إن إن، نيويورك تايمز، واشنطن بوست يميل إلى وضع الحوثيين ضمن سياق السياسة الخارجية الأمريكية والأمن القومي ولا سيما عندما تتعرض القوات الأمريكية أو السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية للهجوم.

ويظهر الحوثيون في هذه الحالة ضمن شبكة من التهديدات التي تواجه المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إلى جانب إيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها وتزداد هذه الصورة وضوحا في الفترات التي تنفذ فيها الولايات المتحدة عمليات عسكرية ضد مواقع الحوثيين حيث يصبح اليمن جزءا من النقاش الأمريكي حول الردع وحماية الملاحة ومنع توسع النفوذ الإيراني.

أما الإعلام الأوروبي، ولا سيمابي بي سي، الغارديان، لوموند فيميل بصورة أكبر إلى الجمع بين البعد العسكري والإنساني والسياسي.

فالتغطية البريطانية والفرنسية تعطي مساحة واضحة للضحايا المدنيين والأزمة الإنسانية وانهيار الاقتصاد و لكنها تربط هذه القضايا أيضا بالتوازنات الإقليمية وأمن البحر الأحمر.

وفي التغطية الأوروبية الحديثة تظهر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بينما يظهر الحوثيون باعتبارهم القوة التي تسيطر على صنعاء والشمال مع إبراز الدعم الإيراني والدور السعودي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

وقد وصفت لوموند في تغطيتها خلال سبتمبر 2026 القتال بين القوات الحكومية والحوثيين المدعومين من إيران وربطت التصعيد بخطر العودة إلى حرب واسعة وبأهمية باب المندب بالنسبة للتجارة العالمية.

وتكشف المقارنة بين رويترز وأسوشيتد برس من جهة لو موند بي بي سي، الغارديان من جهة أخرى عن اختلاف في زاوية المعالجة أكثر من اختلاف جذري في تعريف أطراف الصراع.

فوكالات الأنباء تركز بصورة أكبر على الأحداث والتطورات العسكرية والسياسية والتصريحات الرسمية بينما تميل الصحافة والتحليلات الأوروبية والأمريكية إلى تقديم سياقات أوسع تشمل التاريخ السياسي لليمن والأزمة الإنسانة والتدخل الإقليمي والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

ومع ذلك تظل جميع هذه المؤسسات تقريبا حريصة على التمييز بين الحكومة المعترف بها دوليا والحوثيين باعتبارهم سلطة أمر واقع وقد أحدثت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 تحولا كبيرا في هذه الصورة الإعلامية.

فقبل هذه المرحلة كان اليمن يحضر في الإعلام الدولي غالبا باعتباره إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وحربا أهلية طويلة الأمد وصراعا إقليميا بين السعودية وإيران.

و لكن بعد هجمات البحر الأحمر أصبح اليمن مرتبطا مباشرة بالتجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية وقناة السويس والوجود العسكري الأمريكي والأوروبي.

ونتيجة لذلك ارتفعت القيمة الخبرية للحوثيين بصورة كبيرة لأن عملياتهم أصبحت قادرة على احداث تأثير يتجاوز الحدود اليمنية وقد ساعد ارتباط هذه الهجمات بالحرب في غزة على تعزيز هذا التحول.

فالخطاب الحوثي قدم العمليات في البحر الأحمر باعتبارها جزءا من دعم الفلسطينيين ومواجهة إسرائيل بينما ركز الإعلام الأمريكي والأوروبي على آثارها على الملاحة والتجارة والأمن الدولي. وهكذا نشأ إطار إعلامي مزدوج؛ الحوثيون يقدمون أنفسهم باعتبارهم قوة مقاومة مرتبطة بالقضية الفلسطينية بينما تقدمهم المؤسسات الغربية بصورة أكبر باعتبارهم قوة مسلحة تهدد الملاحة وتعمل في بيئة إقليمية مرتبطة بإيران.

وهذا التحول منح الحوثيين ميزة مهمة في مجال الاتصال السياسي والإعلامي. فقد أصبحت الجماعة قادرة على إنتاج أحداث تتصدر الأخبار العالمية في حين ظل نشاط الحكومة اليمنية في كثير من الأحيان محصورا في البيانات والاجتماعات والمفاوضات والتحركات الدبلوماسية.

ويعود ذلك إلى طبيعة العمل الإعلامي نفسه؛ فالحدث العسكري الذي يؤثر في سفينة تجارية أو قاعدة عسكرية أو حركة الملاحة يمتلك قيمة إخبارية أكبر من اجتماع سياسي حكومي حتى ولو كان الاجتماع أكثر أهمية من الناحية القانونية والدبلوماسية.

ولذلك فإن كثافة ظهور الحوثيين في الإعلام الدولي لا تعني بالضرورة أن الإعلام يتبنى خطابهم وإنما يعكس قدرتهم على صناعة أحداث ذات صدى دولي وفي الوقت نفسه لا تقدم وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية الحوثيين بصورة إيجابية بصورة مطلقة.

فقد تناولت رويترز في تحقيقات موسعة طبيعة الحكم الحوثي في مناطق سيطرتهم وتحدثت عن الاعتقالات والقمع والتجنيد والضغط على المجتمع والتدخل في المساعدات الإنسانية، كما تناولت منظمات الأمم المتحدة والانتهاكات المرتبطة بمختلف أطراف الحرب بما فيها الحوثيون والقوى المناهضة لهم.

وهذا يكشف عن وجود فجوة بين صورة الحوثيين في التغطية الجيوسياسية وصورتهم في التقارير الإنسانية والاستقصائية وفي الأخبار المتعلقة بالبحر الأحمر يظهر الحوثيون كقوة إقليمية مؤثرة بينما تظهرهم التحقيقات الداخلية بوصفهم سلطة أمر واقع تمارس سياسات قمعية على المجتمع الواقع تحت سيطرتها.

وتظهر الحكومة اليمنية أيضا بصورتين متناقضتين في الإعلام الدولي؛ الصورة الأولى وهي صورة الحكومة المعترف بها دوليا وهي صورة قانونية ودبلوماسية تحظى بدعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. والصورة الثانية هي صورة حكومة ضعيفة ومنقسمة وتعتمد على دعم السعودية وتواجه تحديات من قوى يمنية أخرى خصوصا في الجنوب.

وهذا التناقض جعل مفهوم الشرعية أكثر تعقيدا في الإعلام الدولي لأن الشرعية القانونية لم تعد كافية لتفسير طبيعة السلطة على الأرض وتبرز هنا أهمية مفهوم سلطة الأمر الواقع.

فالصحافة الدولية لا تمنح الحوثيين شرعية قانونية و لكنها لا تستطيع تجاهل كونهم السلطة الفعلية في صنعاء والمناطق الشمالية وهذا الوضع يجعل وسائل الإعلام والأمم المتحدة تتعامل معهم كطرف لا يمكن تجاوزه في أي عملية سياسية من دون أن يعني ذلك الاعتراف بهم كحكومة شرعية.

وبذلك أصبح اليمن نموذجا واضحاً للفارق بين الاعتراف الدولي والسيطرة الفعلية وبين الشرعية القانونية والقدرة على الحكم.

كما أن الإعلام الدولي لا يتعامل مع الحكومة اليمنية كممثل وحيد لكل القوى المناهضة للحوثيين. فتغطية رويتز أسوشيتد برس خصوصا تشير إلى وجود المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى عسكرية وسياسية أخرى وهو ما يجعل صورة الحكومة في مواجهة الحوثيين أكثر تعقيدا من الثنائية التي تظهر أحيانا في الخطاب السياسي اليمني.

وهذه النقطة تضعف قدرة الحكومة على تقديم الحرب للعالم بوصفها صراعا بسيطا بين دولة وميليشيا لأن الواقع الميداني يحتوي على تعدد كبير في مراكز القوة.

ومن الناحية الإعلامية يمتلك الحوثيون أيضا ميزة تتعلق بوحدة الخطاب؛ فالرسائل الصادرة عن الجماعة غالبا ما تربط بين مجموعة محددة من المفاهيم؛ السيادة، المقاومة، فلسطين، إسرائيل، الولايات المتحدة، التدخل الخارجي.

أما الخطاب المناهض للحوثيين فهو أكثر تعددا بسبب تعدد القوى السياسية والعسكرية التي تشكله وهذا التعدد يجعل الرسالة الدولية للحكومة أقل وضوحا خصوصا عندما تظهر الخلافات بين القوى المناهضة للحوثيين في وسائل الإعلام الدولية.

وعند النظر إلى التغطية الأمريكية والأوروبية خلال السنوات الأخيرة يمكن ملاحظة أن صورة اليمن أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بثلاثة مستويات متداخلة.

المستوى الأول هو الصراع على الدولة اليمنية بين الحكومة المعترف بها دوليا والحوثيين.

المستوى الثاني هو الصراع الإقليمي الذي يشمل السعودية وإيران والإمارات والقوى الإقليمية الأخرى.

المستوى الثالث هو الصراع الدولي المتصل بالبحر الأحمر والولايات المتحدة وإسرائيل والتجارة العالمية.

وكلما ارتفع مستوى الصراع من المستوى المحلي إلى الإقليمي والدولي زاد الحضور الإعلامي للحوثيين لأنهم أصبحوا طرفا قادرا على التأثير في الأحداث خارج الحدود اليمنية.

وهذا ما يفسر أن الحوثيين استطاعوا الحصول على حضور إعلامي دولي يفوق في كثير من الأحيان حجم حضور الحكومة الشرعية رغم أن الحكومة تتمتع باعتراف قانوني ودبلوماسي لا يتمتع به الحوثيون.

فالإعلام لا يقيس الشرعية السياسية وإنما يبحث عن الأحداث والتطورات والتأثيرات ومن ثم يمكن أن تكون الحكومة أكثر شرعية من الناحية القانونية بينما يكون الحوثيون أكثر حضورا من الناحية الإعلامية.

وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للحكومة اليمنية في أن الاعتراف الدولي لم يتحول إلى سردية إعلامية قوية؛ فمجرد وصفها بأنها بالحكومة المعترف بها دوليا يثبت وضعها القانوني ولكنه لا يحل مشكلة ضعف حضورها السياسي والميداني.

بينما استطاع الحوثيون تحويل السيطرة على صنعاء والقدرات العسكرية والهجمات على البحر الأحمر إلى عناصر من القوة الإعلامية والسياسية وهذا لا يعني أن الحوثيين يمتلكون شرعية دولية وانما يعني أن قدرتهم على التأثير في الأحداث جعلتهم طرفا لا يمكن تجاهله في الخطاب الدولي.

وفي المقابل، فإن التركيز الإعلامي الغربي على الحوثيين كقوة مرتبطة بإيران يحمل جانبا آخر يتمثل في تقليص مساحة الحديث عن الأسباب الداخلية للصراع اليمني. فكلما جرى تفسير الحوثيين أساسا باعتبارهم جزءا من النفوذ الإيراني حيث تراجعت مساحة تحليل التطورات اليمنية الداخلية بما فيها الصراعات الاجتماعية والسياسية والمناطقية والاقتصادية التي ساهمت في تشكيل الحركة الحوثية ومسار الحرب.

لذلك فإن التغطية الدولية تقدم أحيانا تفسيرا جيوسياسيا قويا للصراع ولكنه ليس كافيا لفهم جذوره اليمنية وبذلك فإن التغطية الأمريكية والأوروبية للصراع اليمني تقوم على مجموعة من الأطر المتداخلة.

فرويترز وأسوشيتد برس تقدمان أساسا إخباريا واسع الانتشار يركز على التطورات السياسية والعسكرية وعلى موازين القوى بينما تركز سي إن إن، نيويورك تايمز، واشنطن بوست بصورة أكبر على تأثير الصراع في السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي. أما بي بي سي، الغارديان، لوموند فتضيف إلى ذلك أبعادا إنسانية وسياسية وإقليمية واضحة مع اهتمام خاص بأمن البحر الأحمر وتأثير الصراع في التجارة الدولية.

وعلى الرغم من اختلاف هذه المؤسسات في الأولويات التحريرية فإنها تشترك بصورة عامة في الاعتراف بالحكومة اليمنية كحكومة شرعية دوليا وفي التعامل مع الحوثيين كقوة مسيطرة فعليا على مناطق واسعة من اليمن مع اختلاف واضح في تقييم طبيعة الحركة وعلاقتها بإيران ودورها الإقليمي.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن المعركة الإعلامية بين الحوثيين والشرعية ليست معركة بين طرف يحظى بتأييد الإعلام وطرف يرفضه الإعلام وإنما هي معركة بين سرديات متنافسة.

تمتلك الحكومة اليمنية سردية تقوم على الدولة والشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة واستعادة المؤسسات بينما تمتلك جماعة الحوثيين سردية تقوم على المقاومة والسيادة ومواجهة التدخل الخارجي وربط الصراع اليمني بالقضية الفلسطينية.

أما الإعلام الدولي فيعيد تركيب هذه السرديات وفقا لسياقه التحريري واهتمام جمهوره فيضع أحيانا الشرعية في مقدمة الخبر ويضع الحوثيين في مقدمة الخبر أحيانا أخرى خصوصا عندما يكون الحدث مرتبطا بالصواريخ أو الملاحة أو إيران أو الولايات المتحدة.

ان صورة الصراع اليمني في الإعلام الدولي انتقلت خلال أكثر من عقد من إطار الحرب الداخلية إلى إطار الحرب الإقليمية ثم إلى إطار الأمن الدولي.

وفي المرحلة الأولى كان الحوثيون يظهرون أساسا باعتبارهم جماعة مسلحة سيطرت على العاصمة وكانت الحكومة تظهر باعتبارها السلطة الشرعية.

وفي المرحلة الثانية أصبحت الحرب مرتبطة بالتنافس السعودي الإيراني فأصبح الحوثيون جزءا من شبكة الصراعات الإقليمية وفي المرحلة الثالثة وبعد هجمات البحر الأحمر أصبح الحوثيون فاعلا دوليا قادرا على التأثير في التجارة والملاحة والأمن الإقليمي.

ومع عودة القتال الداخلي والتوترات الإقليمية في عام 2026 بدأت السردية اليمنية الداخلية تستعيد حضورها ولكن من دون اختفاء البعد الإقليمي والدولي فهل تستطع ان تتصدر الاعلام الدولي من خلال تأثيرها على الواقع هذا في حال تمكنت من اعادة هيبة الدولة وترتب عليها عودة الشرعية الى اليمن.