في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاطر على المناطق الساحلية وتعز، وتعيش المجتمعات المحلية حالة من القلق والترقب جراء الهجمات الحوثية وما قد تترتب عليها من أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين، يحق لنا أن نسأل بكل وضوح:
هل منظومتنا الصحية جاهزة فعلاً لمواجهة أزمة واسعة النطاق؟ أم أن الجاهزية ما زالت مجرد برقيات وبيانات واجتماعات؟
وزارة الصحة ترفع منذ أسابيع برقيات رفع الجاهزية، وتصدر التوجيهات للمرافق الصحية، وتؤكد أهمية التنسيق وتوحيد التدخلات الإنسانية والصحية من خلالها ومن خلال مكاتب الصحة في المحافظات.
لكن على الأرض، تبدو الصورة أكثر قسوة.
المستشفيات المركزية التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث والأزمات ما زالت بحاجة إلى دعم وتجهيز وإسناد حقيقي، ولم نرَ حتى الآن بالقدر الكافي إجراءات استثنائية تتناسب مع حجم المخاطر، كتجهيز مراكز طبية متقدمة، أو اعتماد مستشفيات ميدانية، أو تعزيز مخزونات الطوارئ، أو توفير احتياجات العمليات والإسعاف والدم والمستلزمات الأساسية.
أما بيان الاستغاثة… فهو يحتاج إلى أسئلة أكثر من حاجته إلى عبارات الاستغاثة
من المؤسف أن تتحول وزارة الصحة، وهي الجهة التي يفترض أن تقود الاستجابة الصحية في الأزمات، إلى طرف يرفع نداءات الاستغاثة عندما تقترب الأزمة، بدلاً من أن تكون هي الجهة التي تقود الاستعداد لها وتحدد احتياجاتها وتفرض أولوياتها على الجهات الداعمة.
إذا كانت الوزارة تستغيث اليوم للحصول على الدعم الصحي، فالسؤال الذي يفرض نفسه:
أين كانت خطط الطوارئ طوال الفترة الماضية؟ وأين ذهبت مخرجات الاجتماعات والمؤتمرات الدولية؟ وأين انعكس الدعم الكبير الذي قدمته المنظمات الدولية للقطاع الصحي على جاهزية المستشفيات؟
لا يمكن أن تكون كل أزمة جديدة بداية لاكتشاف الاحتياجات.
الاحتياجات معروفة، والمخاطر معروفة، والمستشفيات معروفة، والمحافظات الأكثر عرضة للخطر معروفة.
ما ينقص هو تحويل المعرفة إلى فعل.
الوزارة تقول إنها تريد تنسيق كافة التدخلات الإنسانية والصحية من خلالها ومن خلال مكاتب الصحة، وهذا مطلب منطقي لضمان عدم ازدواجية التدخلات.
لكن التنسيق لا يعني أن تكون الوزارة بوابة تمر عبرها المساعدات فقط؛ بل يعني أن تكون هناك قيادة ميدانية قادرة على تحديد الأولويات، وتوزيع الموارد بعدالة، ومتابعة التنفيذ، ومحاسبة المقصرين، وقياس الجاهزية فعلياً.
فالمنظمة الدولية التي تقدم دعماً صحياً لا ينبغي أن يكون هدفها مجرد تنفيذ مشروع أو عقد ورشة أو إصدار تقرير.
الهدف الحقيقي هو أن يجد المواطن مستشفى جاهزاً عندما يحتاج إليه.
وإذا كانت وزارة الصحة قد شاركت خلال السنوات الماضية في مؤتمرات واجتماعات وندوات دولية عديدة، فمن حق الناس أن تسأل:
أين مخرجات تلك المؤتمرات؟
أين خطط الطوارئ التي تم الاتفاق عليها؟
أين منظومة الإخلاء الطبي؟
أين مخزون الطوارئ؟
أين مراكز الفرز والإسعاف المتقدمة؟
أين المستشفيات الميدانية؟
أين خطط توزيع الجرحى بين المستشفيات؟
وأين الدعم المباشر للمرافق التي ستستقبل الضحايا؟
البرقية لا تعالج النزيف
رفع الجاهزية على الورق لا يساوي شيئاً إذا لم يصل معه الوقود والدواء والدم والمستلزمات والكوادر وسيارات الإسعاف وأجهزة الإنعاش وغرف العمليات.
البرقية لا توقف النزيف، والبيان لا يجري عملية، والاجتماع لا ينقذ مصاباً.
ما ينقذ الأرواح هو مستشفى مجهز، وطبيب حاضر، وممرض مدرب، وسيارة إسعاف جاهزة، وبنك دم يعمل، وغرفة عمليات تستطيع استقبال الحالات في أي لحظة.
ولهذا فإن استمرار الاكتفاء بإصدار توجيهات رفع الجاهزية دون توفير متطلبات هذه الجاهزية يضع المستشفيات والكوادر الطبية أمام مسؤولية تفوق إمكانياتها.
والأخطر من ذلك أن أبناء المناطق التي قد تشهد التصعيد هم أول من سيدفع ثمن أي تأخر في التخطيط والاستعداد.
نحن لا نحتاج مؤتمراً جديداً… نحتاج غرفة عمليات تعمل
اليوم، المطلوب من وزارة الصحة ليس بياناً جديداً ولا اجتماعاً جديداً ولا ورشة جديدة.
المطلوب خطة طوارئ صحية معلنة وقابلة للتنفيذ.
اعتماد مستشفيات ميدانية ومراكز طبية متقدمة في المناطق ذات الخطورة.
تجهيز المستشفيات المركزية وتعزيز قدراتها.
توفير مخزون استراتيجي من الأدوية والمستلزمات والدم.
رفع جاهزية الإسعاف والإخلاء الطبي.
تحديد مستشفيات الإسناد والاستقبال.
وتفعيل غرفة عمليات صحية تعمل على مدار الساعة وتنسق بصورة مباشرة مع المحافظات والمستشفيات والمنظمات الدولية.
إذا كانت وزارة الصحة تطالب بأن تمر جميع التدخلات الإنسانية والصحية عبرها، فهذا يعني ببساطة أنها مطالبة أيضاً بأن تتحمل مسؤولية القيادة والتخطيط والمتابعة والنتائج.
فالقيادة لا تعني امتلاك صلاحية التنسيق فقط، وإنما امتلاك القدرة على تحويل الدعم إلى جاهزية حقيقية.
وفي النهاية، يجب أن نتوقف عن قياس جاهزية القطاع الصحي بعدد البرقيات التي أرسلتها الوزارة أو عدد المؤتمرات التي شاركت فيها قياداتها.
الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما يصل أول جريح إلى باب المستشفى.
عندها لن يسأل المواطن عن عدد الاجتماعات التي عقدت، ولا عن عدد المنظمات التي تعهدت بالدعم.
سيسأل سؤالاً واحداً:
هل يوجد مستشفى قادر على إنقاذه؟
وهنا تحديداً يجب أن تبدأ المسؤولية… قبل أن تبدأ الكارثة.
ناصر بجنف