لم يكن وداع القاضي المستشار صلاح محمد سيف قاسم لرئاسة محكمة الحبيلين الابتدائية وداعا عاديا، بل كان وداعا ثقيلا على كل من عايش سنوات عمله داخل المحكمة، وشاهد عن قرب ما قدمه من عطاء وجهد وانضباط في محراب القضاء.
سنوات قضاها القاضي صلاح سيف بين ملفات القضايا ومحاضر الجلسات وأحكام القضاء، أعاد خلالها للمحكمة حيويتها وهيبتها، ودفع بعجلة العمل نحو سرعة الإنجاز والبت في القضايا، حتى أصبحت المحكمة في عهده شعلة من النشاط والحضور القضائي.
لقد كان قاضيا عادلا ونزيها، متواضعا مع الكبير والصغير، يسمع للمحامي والمتقاضي، ويتعامل مع الجاني والمجني عليه بميزان واحد هو القانون. وحتى من صدرت بحقهم أحكام قاسية، كان بعضهم يغادر قاعة المحكمة وهو يشعر أن الحكم صدر وفقا للقانون والحق، لا وفقا للخصومة أو المواقف الشخصية.
ولم تتوقف بصمته عند منصة القضاء، فقد كان اكاديميا وباحثا ومدربا قانونيا، نقل خبرته إلى أجيال من القضاة والمحامين وأمناء السر، وأسهم في برامج تدريبية وتأهيلية على مستوى محاكم لحج وأبين، وصولا إلى حصوله على شهادة المدرب القضائي الدولي المحترف، بعد مسيرة طويلة في التدريب القانوني والقضائي.
وبالنسبة لي، كان الوداع قاسيا ومؤلما، فقد كنت ماسك اعلام المحكمة ورافقت القاضي صلاح سيف في كثير من جلساته وأيام عمله ورحلاته، وشاهدت عن قرب حرصه على أداء رسالته، وانشغاله الدائم بقضايا الناس، وسعيه لإنجاز الملفات المتراكمة دون محاباة أو تهاون. كنت شاهدا على مرحلة لم تكن مجرد دوام وظيفي، بل عمل متواصل من اجل العدالة.
وفي كلماته الأخيرة عقب مغادرته المحكمة، اختصر القاضي صلاح سيف فلسفته القضائية بقوله إن ميزانه كان الحق والعدل والضمير، مؤكدا أن أمانة القضاء لا تتغير بتغير القضاة، وأن راية العدالة يجب أن تبقى مرفوعة.
إن تغيير القاضي صلاح سيف عن محكمة الحبيلين يمثل خسارة كبيرة لردفان، ليس انتقاصا من القاضي الذي سيخلفه، وإنما تقديرا لما تحقق خلال سنوات من عطاء ترك اثرا واضحا لدى المواطنين والمحامين والعاملين في المحكمة.
وداعا سيادة المستشار القاضي صلاح محمد سيف قاسم.. كنت خير القضاة وانزههم، ونسأل الله أن يوفقك حيثما كنت، فالقاضي قد يغادر المحكمة، لكن أثره يبقى شاهدا على ما قدمه.
إعلام المحكمة
مروان الردفاني
