في كل زمن تلاقي نوع من الإعلاميين والكتّاب ما يعرف يكتب إلا وهو ماسك في يده اليمنى القلم، وفي اليسرى "شيك" أو مصلحة أو منفعة، كاتب مهمته ليست أن يقول الحقيقة بل أن يبحث عن زاوية يمدح منها صاحب قرار أو نفوذ، ثم يملأ المقال بالألقاب كالقائد الملهم والعبقري الفذ ورجل المرحلة الذي لم تنجب الأمة مثله منذ مائة عام!، طبعا أنا لا أعمم فهناك كتاب ترفع القبعات احتراما لهم، ولكن أنا أقول البعض حتى لايتحس الكل.
هذا النوع من الكتاب الذين يبالغون في التطبيل لا يرفعون المسؤول أبدا أبدا، فهم في غفلة متناسين أنهم يقزمون أنفسهم ومسؤوليهم في كل سطر يكتبونه، فالقارئ "ياعيني عليه" ليس غبياً بالطبع يعرف تركيبة كل الكتاب الذين يكتبون عن قناعة، ويعرفون أيضا الكتاب الذين يكتبون لمصلحة، ويعرفون متى تكون الكلمة صادقة ومتى تكون مجرد "بقشيش كلمات"، لهذا أصبح المتابع يحذف مقالات المديح ويميز الغث من السمين منذ ظهور اسم الكاتب على الشاشة يعرف مسبقاً ماذا سيقرأ، بسبب أن الواقع بعيد تماماً عن الصورة التي سيرسمها وكيف يستمر في "النفخ"، والطامة الكبرى أن المسؤول نفسه يصدق أنه فعلاً ذلك "العبقري الفذ".
ومن هنا يصبح الكاتب أخطر على المسؤول من خصومه، كيف ذلك؟!، ابسطها قليلا نعلم ان الخصم ينتقدك فيجعلك تنتبه إلى أخطائك، أما هذا الكاتب فيمدحك حتى تنسى أخطاءك، ويصفق لك حتى تظن أن كل من ينتقدك حاقد أو عدو لك، لذلك فهذا النوع من الكتاب لا يخدمك بل يخدرك تخدير مؤقت سرعان مايزول.
أن المسؤول الذي يحيط نفسه بهذا النوع من الكتاب لا تحترمه الناس، بل يصبح أكثر إثارة للريبة لأن الناس تبدأ بالنظر إلى المادحين قبل أن تنظر إلى الممدوح، فتصبح المشكلة ليست ماذا فعل المسؤول؟ بل لماذا هذا الكاتب بالذات اختاره المسؤول وقربه منه؟
وهنا تكون الضربة القاضية للممدوح، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لكاتب ليس أن يختلف الناس معه بل أن لا يصدقوه حتى عندما يقول الحقيقة، فإذا صار اسمك مرتبطاً بالتطبيل، فلن تنقذك أجمل الكلمات، ولن تقنع الناس بأقوى الحجج، لأن القارئ سيبحث أولاً عن المصلحة المختبئة خلف ما تخطه يمناك.
الكاتب الذي يحبه المتابعين هو من يمدح المسؤول حين يستحق، وينتقده حين يخطئ، أما كاتب "البقشيش" أو البُقش الذي عنده المسؤول دائماً عظيم ودائماً عبقري ودائماً مصيب ودائماً فوق النقد! من هنا يفقد الكثير من القراء والمتابعين له، لان هذا النوع من إعلام "الدفع المسبق" يشبه حفلة مكروهة ومحرمة يذهب ريعها لاعمال غير مشروعة.
وختاماً يا جماعة، القلم أمانة وليس "مزماراً" في مجلس أحد، امدح الحق إذا رأيته، وقل للمقصر قصرت ولا تبالي،
فالكاتب الذي يبيع كلماته وقلمه من أجل القرب أو المصلحة، قد يربح رضا شخص واحد، لكنه يخسر شيئاً لا يشترى
كاحترام القارئ له، والكاتب الذي يخسر احترام القارئ مهما بقي يكتب فقد خسر كل شيء.