آخر تحديث :الإثنين-07 سبتمبر 2026-03:11ص

دراسة تفصيلية .. النصوص القانونية التي تعيق سير العدالة وقد تؤدي لضياعها

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 02:19 ص
المحامي مختار راجح


المولف المستشار والباحث مختار راجح


وفق قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، وفي قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م، نصوص لا يمكن وصفها كلها بأنها “معيقة للعدالة” بذاتها، لكنها قد تصبح مصدرًا لإطالة أمد التقاضي أو تعطيل الفصل إذا صيغت بصورة جامدة أو أسيء تطبيقها. والأدق علميًا أن نسميها: «النصوص الإجرائية القابلة لإعاقة العدالة الناجزة».

وبالرجوع إلى النصوص المنشورة للقانونين، أرى أن أهم مادة تصلح لبناء دراسة موسوعية حول هذا الموضوع هي الآتية:

أولًا: قانون المرافعات والتنفيذ المدني

1. المادة (76): الصفة والمصلحة في أي مرحلة من الدعوى

النص:

«تحكم المحكمة بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع إذا تبينت ـ ولو من تلقاء نفسها ـ أن لا صفة أو مصلحة فيها، في أي مرحلة من مراحل الدعوى.»


المركز القانوني للحقوق والتنمية +1

الإشكال:

الغاية من النص سليمة، لأن الصفة والمصلحة من شروط قبول الدعوى، لكن عبارة «في أي مرحلة من مراحل الدعوى» قد تفتح مجالًا لإثارة مسألة الصفة أو المصلحة بعد أن تكون الخصومة قد قطعت مراحل طويلة، مما قد يؤدي إلى إهدار إجراءات ومحاكمات استغرقت وقتًا وجهدًا.

والأخطر عندما تتحول المسألة من وسيلة لضبط الخصومة إلى وسيلة لإعادة الخصومة إلى نقطة الصفر.

مفتاح إعادة الصياغة

الأفضل أن يضاف قيد يحافظ على سلطة المحكمة دون السماح بالتعطيل:

«يجوز للمحكمة أن تقضي بعدم قبول الدعوى لانتفاء الصفة أو المصلحة متى كان ذلك ثابتًا من أوراق الدعوى، على أن تراعى في ذلك الإجراءات التي تمت صحيحة، وألا يترتب على الحكم بعدم القبول إعادة إجراء ما لا يتصل بسبب عدم القبول، ما لم يكن القانون يوجب ذلك.»

والفكرة الأساسية هنا:

منع الشرط الإجرائي من أن يتحول إلى عقوبة إجرائية على حق موضوعي.

2. المادة (77): سبق الفصل في الدعوى

النص يمنع إعادة طرح الدعوى التي سبق الفصل فيها عند اتحاد الخصوم والموضوع والسبب، ويضيف:

«كما لا تقبل الدعوى إذا وجد أي مانع قانوني آخر منصوص عليه في القوانين النافذة.» �


الإشكال

العبارة الأخيرة «أي مانع قانوني آخر» واسعة جدًا، وقد تؤدي إلى التوسع في موانع القبول إذا لم تُفسر تفسيرًا دقيقًا.

مفتاح الإصلاح

حصر الموانع التي تمنع السير في الدعوى في:

مانع نص عليه القانون صراحة.

مانع يتعلق بالنظام العام.

مانع يترتب عليه قانونًا عدم جواز نظر الدعوى.

مع إلزام المحكمة بتحديد النص القانوني الذي استندت إليه.

وهذا يقود إلى قاعدة مهمة أقترح إدخالها في الموسوعة:

«لا يجوز إنشاء مانع إجرائي بالاجتهاد إذا كان من شأنه إغلاق باب القضاء، ما لم يكن المانع مستندًا إلى نص أو إلى قاعدة آمرة متعلقة بالنظام العام.»

3. المادة (84): عدم الاختصاص عند غياب المدعى عليه

النص:

«إذا رفعت الدعوى أمام المحاكم اليمنية وهي غير مختصة بنظرها ولم يحضر المدعى عليه تحكم المحكمة بعدم اختصاصها من تلقاء نفسها.»

المركز القانوني للحقوق والتنمية +1

الإشكال

هذه المادة قد تؤدي عمليًا إلى إغلاق ملف الدعوى وإجبار المدعي على البدء من جديد، بدلًا من تحقيق الاقتصاد في الإجراءات إذا كان من الممكن معالجة مسألة الاختصاص بالإحالة.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية:

هل يكون جزاء الخطأ في الاختصاص إنهاء الدعوى، أم نقلها إلى المحكمة المختصة؟

وهذه في رأيي من أهم نقاط الإصلاح التشريعي.

مفتاح إعادة الصياغة

أقترح اعتماد نظام الإحالة الوجوبية بدل الحكم بإنهاء الخصومة:

«إذا تبين للمحكمة عدم اختصاصها بنظر الدعوى، وجب عليها، متى كان الاختصاص منعقدًا لمحكمة يمنية أخرى، إحالة الدعوى إليها بحالتها، مع إبقاء الآثار الإجرائية الصحيحة التي تمت أمام المحكمة المحيلة، ما لم يتعارض ذلك مع طبيعة الاختصاص.»

وهذا من أقوى مفاتيح العدالة الناجزة.

4. المادة (127): تدخل النيابة العامة

النص يجيز للمحكمة منح النيابة ميعادًا مناسبًا لكتابة رأيها وإرسال ملف الدعوى إليها.

الإشكال

عبارة «ميعادًا مناسبًا» غير محددة.

وقد تتحول المدة غير المحددة إلى عنصر من عناصر إطالة الخصومة، خصوصًا في القضايا التي لا تستوجب طبيعتها انتظار مذكرة النيابة مدة طويلة.

مفتاح الإصلاح

«وتحدد المحكمة للنيابة العامة ميعادًا لا يجاوز خمسة عشر يومًا لتقديم رأيها، ويجوز تمديده لمرة واحدة ولمدة مماثلة بقرار مسبب عند الضرورة.»

وهكذا تتحول السلطة التقديرية إلى سلطة مقيدة بحد زمني.

5. المادة (289): غياب المستأنف

المادة تقرر أنه إذا لم يحضر المستأنف في الجلسة الأولى تحدد المحكمة جلسة أخرى، فإذا لم يحضر في الجلسة التالية اعتبر استئنافه كأن لم يكن.

النيابة العامة - اليمن

الإشكال

الجزاء شديد نسبيًا مقارنة بطبيعة الغياب، خصوصًا إذا كان الغياب بسبب عذر مشروع أو خلل في الإعلان أو ظرف خارج عن الإرادة.

مفتاح الإصلاح

إضافة معيار:

«ما لم يثبت أن عدم الحضور كان لعذر قهري أو لسبب لا يرجع إلى المستأنف، وفي هذه الحالة تحدد المحكمة جلسة أخرى.»

مع اعتبار الإعلان الصحيح شرطًا سابقًا على ترتيب الجزاء.

6. المادة (299): نظر الطعن بالنقض بغير مرافعة

النص يجعل الأصل أن تفصل الدائرة المختصة في موضوع الطعن بغير مرافعة، مع إمكانية سماع المرافعة إذا رأت ضرورة لذلك.

الإشكال

قد يكون هذا مفيدًا للسرعة، لكنه يصبح إشكاليًا عندما تكون المسألة القانونية جديدة أو مؤثرة أو عندما يكون الطعن قائمًا على أسباب مركبة تحتاج إلى مناقشة.

مفتاح الإصلاح

بدل جعل المرافعة استثناءً مطلقًا، أقترح:

«تفصل المحكمة في الطعن كتابة، ويجب عليها تحديد جلسة للمرافعة متى كان الطعن متعلقًا بمسألة قانونية جوهرية أو بمبدأ قضائي مستحدث أو متعارض أو متى طلب أحد الخصوم ذلك ورأت المحكمة جدية الطلب.»

وهذا يحقق التوازن بين السرعة وحق الدفاع.

7. المادة (300): نقض الحكم وإعادة القضية

المادة تقضي، في غير حالات الاختصاص، بإعادة القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد، مع استثناء حالة الطعن للمرة الثانية التي يتعين فيها على المحكمة العليا الفصل في الموضوع كله أو بعضه

الإشكال الأكبر

هنا يمكن أن تظهر ظاهرة:

النقض → الإعادة → حكم جديد → طعن جديد → نقض جديد.

أي أن الخصومة قد تدور في حلقة إجرائية طويلة.

مفتاح الإصلاح

أقترح توسيع حالات الفصل الموضوعي للمحكمة العليا عندما تكون القضية صالحة للحكم:

«إذا كان الموضوع صالحًا للفصل فيه، وجب على المحكمة العليا الفصل فيه متى كان ذلك ممكنًا دون إخلال بحقوق الدفاع، ولا تعاد القضية إلى المحكمة المحال إليها إلا إذا كان النقض متعلقًا بإجراء جوهري يستلزم إعادة التحقيق أو استكمال واقعة لم تبحثها محكمة الموضوع.»

وهذه قاعدة أراها جديرة بأن تكون من المبادئ المركزية في الموسوعة:

«لا إعادة بعد النقض متى كان الموضوع صالحًا للفصل فيه.»

ثانيًا: قانون الإجراءات الجزائية

هنا توجد نقاط مهمة جدًا.

8. المادة (420): عدم استئناف القرارات التمهيدية والتحضيرية استقلالًا

النص:

«لا يجوز استئناف الأحكام والقرارات التمهيدية والتحضيرية إلا بعد الفصل في موضوع الدعوى...» مع استثناءات محددة.

النيابة العامة - اليمن

الإشكال

هذا النص يحاول منع تجزئة الخصومة، وهو هدف صحيح، لكنه قد يؤدي إلى استمرار إجراء قد يكون مؤثرًا في حقوق المتهم أو الخصوم إلى أن يصدر الحكم النهائي.

مفتاح الإصلاح

إيجاد استثناء واضح:

«ويجوز استئناف القرار التمهيدي أو التحضيري استقلالًا إذا كان من شأن تنفيذه إحداث ضرر يتعذر تداركه أو كان متعلقًا بحرية المتهم أو سلامة دليل جوهري.»

9. المادة (421): ميعاد الاستئناف الجزائي

المادة تجعل ميعاد الاستئناف خمسة عشر يومًا من تاريخ النطق بالحكم، مع أحكام خاصة بالمتهم الفار والنائب العام.

النيابة العامة - اليمن

الإشكال

في بعض الحالات، قد لا يكون الخصم قادرًا فعليًا على معرفة أسباب الحكم أو الحصول على صورته خلال مدة كافية لصياغة طعن مؤسس.

مفتاح الإصلاح

يمكن جعل الأصل:

«يبدأ ميعاد الطعن من تاريخ إعلان الحكم للمحكوم عليه، أو من تاريخ تسلمه صورة الحكم إذا كان حاضرًا، أيهما يتحقق به العلم القانوني الكامل بالحكم.»

مع تنظيم خاص للحكم الحضوري.

10. المادة (425): سقوط استئناف المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية

المادة تقرر سقوط الاستئناف إذا لم يتقدم المحكوم عليه للتنفيذ قبل الجلسة، ما لم يكن مفرجًا عنه.

النيابة العامة - اليمن

الإشكال

هذه من أكثر النصوص التي تستحق الدراسة النقدية؛ لأنها قد تجعل ممارسة حق الطعن مرتبطة بشرط يمس حرية الشخص.

ويجب التفريق بين:

تنفيذ الحكم

و

حق المحكوم عليه في مراجعة الحكم قضائيًا.

مفتاح الإصلاح

الأفضل:

«لا يسقط حق المحكوم عليه في الاستئناف لعدم تقدمه للتنفيذ، ويجوز للمحكمة اتخاذ ما يلزم قانونًا لضمان حضوره وتنفيذ الحكم عند تأييده.»

أي:

استبدال سقوط الحق في الطعن بتدبير يضمن الحضور.

وهذا أكثر اتساقًا مع حق التقاضي.

11. المادة (429): إعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة

المادة تلزم محكمة الاستئناف بإعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية في حالات معينة، إذا كانت قد حكمت بعدم الاختصاص أو قبلت دفعًا فرعيًا يمنع السير ثم ألغت محكمة الاستئناف ذلك.

النيابة العامة - اليمن

الإشكال

قد يحدث:

ابتدائي → استئناف → إعادة للأولى → حكم → استئناف مرة أخرى.

وهذا يطيل دورة التقاضي.

مفتاح الإصلاح

إذا كانت عناصر الدعوى مكتملة:

«إذا كانت الدعوى صالحة للفصل فيها، وجب على محكمة الاستئناف الفصل في موضوعها، ولا تعيدها إلى محكمة أول درجة إلا إذا كان الحكم المطعون فيه قد حال دون بحث موضوع الدعوى أو استلزم ذلك استكمال تحقيق جوهري.»

وهذا يحقق مبدأ التقاضي على درجتين دون تحويل الدرجتين إلى أربع أو خمس دورات إجرائية.

النتيجة التي أقترح اعتمادها في الموسوعة

أرى ألا نسمي هذه الدراسة:

«النصوص المعيقة للعدالة»

بصورة مطلقة؛ لأن ذلك قد يوحي بأن المشرع قصد تعطيل العدالة، وهذا غير دقيق علميًا.

الأفضل عنوان أكاديمي:

النصوص الإجرائية المؤثرة في العدالة الناجزة في القانون اليمني

دراسة نقدية تحليلية وتأصيلية مقارنة في قانون المرافعات والتنفيذ المدني وقانون الإجراءات الجزائية

وتكون منهجية كل مادة بهذا الشكل:

النص القانوني → الغاية التشريعية → التطبيق القضائي → الإشكال العملي → أثر النص على العدالة الناجزة → موقف الفقه الإسلامي → الفقه القانوني → القضاء المقارن → رأي المؤلف → الصياغة التشريعية المقترحة → المبررات → الأثر المتوقع.

وهذا المنهج يتفق مع البناء العلمي الموجود أصلًا في نسخ الموسوعة، التي تميز بين النص التشريعي والتحليل والتأصيل والمقارنة ورأي المؤلف. �

الموسوعة_القضائية_والفقهية_الأوسع_مع_كامل_الهوامش_والمراجع.pdf

وأقترح أن يكون «المفتاح الذهبي» لإعادة صياغة القوانين الإجرائية:

«كل إجراء يجب أن يخدم الفصل في الحق، لا أن يتحول إلى حائل دون الفصل فيه؛ وكل بطلان يجب أن يرتبط بضرر حقيقي، وكل خطأ في الاختصاص يجب أن يعالج بالإحالة متى أمكن، وكل ميعاد يجب أن يوازن بين استقرار الخصومة وحق التقاضي، وكل طريق للطعن يجب ألا يتحول إلى دورة لا تنتهي.»

وهذه يمكن أن تصبح نظرية مستقلة داخل الموسوعة بعنوان: «نظرية العدالة الإجرائية الناجزة»، وتربط بين قانون المرافعات والإجراءات الجزائية، ثم تمتد إلى التنفيذ والإثبات والقضاء الإداري والرقابة القضائية.