آخر تحديث :الثلاثاء-08 سبتمبر 2026-03:48م

ثبات الرّواسي: حين يكون التمسك بالمبادئ عنوان الأصالة وقوة الإرادة.!

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 09:08 ص
منصور بلعيدي


في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج المتغيرات، وتتبدل فيه المفاهيم بلمح البصر، يقف الإنسان أمام اختبارٍ حقيقي لجوهر وجوده.

ليس الاختبار في القدرة على مسايرة التيار، بل في القدرة على الصمود في وجه التيار حين يحيد عن الصواب.


إن تمسك الإنسان بمبادئه وقيمه ليس مجرد موقف عابر، بل هو البرهان الساطع على أصالة معدنه وشدة إرادته.


إن المبادئ ليست شعارات تُرفع في أوقات الرخاء، بل هي خرسانة السلوك التي تشتد وتصلب عند الأزمات.

عندما يتمسك المرء بما يؤمن به من حق وعدل وشهامة، حتى وإن تبدل العالم من حوله، فإنه يثبت أصالة المعدن وقوة الإرادة ولا تجرفه الأهواء ولا تغيره المظاهر.

وتكتمل هذه الأصالة بالإرادة؛ فالإرادة هي الطاقة التي تمنح الصاحب القوة ليبقى ثابتاً بينما يتساقط الآخرون من حوله.


من أعظم ما يواجه المتمسك بالمبدأ هو ذلك التضييق النفسي والاجتماعي الذي قد يلقاه من محيطه.

قد يجد الإنسان نفسه غريباً بين قومه، لمجرد أنه اختار أن يظل نقيّاً.

إن تساقط المتساقطين وسخرية الجاهلين ليست دليلاً على خطأ المسار، بل هي ضريبة الاستقامة.

وقد أشار القاضي شريح رحمه الله إلى هذه الحقيقة التاريخية الخالدة بقوله: "ليأتين على الناس زمان يُعيّر المؤمن بإيمانه كما يعيّر اليوم الفاجر بفجوره".


إنه انقلاب الموازين الذي يشهده البشر عبر العصور، حين ينزع الجاهل إلى معايرة الشريف بشرفه، والطاهر بطهارته.


وليس هذا النمط من المواجهة جديداً على السلوك البشري؛ فقد سجله القرآن الكريم في أسمى معانيه عندما حكى عن قوم لوط عليه السلام، الذين لم يجدوا عيباً ينقمونه على أهل الصلاح إلا الطهارة ذاتها، فقالوا: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ .

انه درس من التاريخ البشري.


لقد أصبحت الفضيلة جرماً في أعين من اعتادوا الرذيلة، والصواب غريباً في مجتمع ألِف الخطأ.


إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك أو بمدى مجاراته للموجة السائدة، بل بمدى ثباته على قيمه عندما يقلّ الناصر وتكثر المغريات.


تمسّك بمبادئك ولا يغرنك كثرة الهالكين ولا تعليقات المستهزئين فالعاصفة تستطيع أن تهز أغصان الشجر، لكنها تعجز عن قلع الجذور الراسخة في عمق الأرض.

الأصالة هي أن تبقى أنت، حتى لو تغير العالم أجمع.