آخر تحديث :الأربعاء-09 سبتمبر 2026-11:07ص

الطالب اليمني في عصر الذكاء الاصطناعي: فرصة لا ينبغي أن نهدرها

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - الساعة 10:57 م
سامح بامرحول


بينما ينشغل العالم بالسؤال عن الوظائف التي سيغيرها الذكاء الاصطناعي والشركات التي سيعيد تشكيلها، لدينا في اليمن سؤال

مختلف وأكثر إلحاحًا: ماذا يمكن أن يفعل الذكاء الاصطناعي لطالب لم يحصل أصلًا على فرصة تعليمية كافية؟

وبحسب اليونيسف، يُقدّر عدد الأطفال في سن الدراسة خارج المدرسة في اليمن بنحو 3.2 مليون طفل، وفق بيانات نشرتها

المنظمة في سبتمبر 2026.[1] رقم بهذا الحجم يجعل الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم يبدو للوهلة الأولى وكأنه ترف

أمام مشكلات أكبر بكثير، لكن يمكن النظر إلى الأمر من زاوية مختلفة: وجود أزمة كبيرة لا يعني أن نتجاهل أداة جديدة قد

تمنح بعض الطلاب فرصة إضافية للتعلم.

فالطالب الذي يمتلك هاتفًا واتصالًا بالإنترنت يستطيع اليوم أن يطلب شرح درس لم يفهمه، ثم يطلب إعادة الشرح بطريقة

أبسط، ويطلب أمثلة وتمارين ويختبر نفسه حتى يتأكد من فهمه. بعض هذه الإمكانات كان يتطلب في السابق مدرسًا خصوصيًا

أو دورة تعليمية أو مصادر إضافية قد لا تكون متاحة لكل طالب.

وتصبح هذه الفرصة أكثر وضوحًا عند النظر إلى ثلاث مهارات مهمة للطالب: الرياضيات، واللغة الإنجليزية، والحاسوب.

في الرياضيات مثلًا، القيمة الحقيقية ليست في أن يحل الذكاء الاصطناعي المسألة للطالب، بل في أن يساعده على فهمها.

يستطيع الطالب أن يقول له: «لا تحل المسألة عني، اشرح لي الفكرة أولًا، ثم أعطني مثالًا، وبعد ذلك مسألة مشابهة لأحلها

بنفسي». ويمكنه أن يستمر معه من المفهوم البسيط إلى الأصعب وفق مستواه.

بهذه الطريقة يتغير دور التقنية من آلة تقدم الإجابة إلى أداة تساعد على التعلم.

وفي اللغة الإنجليزية يستطيع الطالب ممارسة المحادثة والكتابة، وطلب تصحيح أخطائه وشرح أسبابها، بدل الاكتفاء بحفظ

الكلمات والقواعد دون ممارسة. أما في الحاسوب، فقد أصبح بإمكان الطالب أن يبدأ من الصفر في تعلم البرمجة وفهم البيانات

والإنترنت، بل وحتى فهم المبادئ الأساسية للتقنيات التي تقف خلف الذكاء الاصطناعي نفسه. وهذه ليست مهارات دراسية

فقط، بل أدوات قد تؤثر لاحقًا في فرصه الجامعية والمهنية.

لكن الوجه الآخر لهذه الفرصة يستحق الاهتمام بالقدر نفسه.

إذا طلب الطالب من الذكاء الاصطناعي كتابة واجبه ثم نسخه كما هو، فقد يحصل على درجة أفضل، لكنه لم يحصل بالضرورة

على تعليم أفضل. وإذا استخدمه لحل مسائل الرياضيات دون محاولة فهمها، فقد يصبح أسرع في إنهاء الواجب، لكنه سيكون

أضعف عندما يواجه المشكلة وحده.

كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ؛ فقد تقدم أحيانًا إجابة غير دقيقة بصياغة تبدو مقنعة. ولذلك

فالمهارة التي ينبغي أن يتعلمها الطالب ليست مجرد «استخدام الذكاء الاصطناعي»، بل كيفية التفكير معه والتحقق مما يقدمه

وعدم التسليم بكل إجابة يحصل عليها.

وهنا لا يصبح دور المعلم أقل أهمية، بل قد يصبح أكثر أهمية. ففي عالم أصبحت فيه المعلومة والإجابة متاحتين خلال ثوانٍ،

ستكون إحدى مهام المعلم أن يساعد الطالب على فهم المعلومة ونقدها والتحقق منها، وأن يعلمه كيف يستخدم التقنية دون أن

يتنازل لها عن دوره في التفكير.

وهذا النقاش ينبغي أن يبدأ في المدارس والجامعات اليمنية من الآن، ولا يشترط أن يبدأ بمشروعات ضخمة ومكلفة. يمكن

لجامعة أن تقدم لطلابها تدريبًا قصيرًا حول الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، ويمكن للمعلم أن يعلّم طلابه كيف

يستخدمونه للحصول على شرح إضافي بدل الحصول على الحل النهائي، ويمكن للمتخصصين اليمنيين في التقنية والتعليم

تطوير محتوى مجاني يناسب احتياجات الطلاب وواقعهم.

ويمكن أن نذهب خطوة أبعد.

تخيل مثلًا مساعدًا تعليميًا يمنيًا مجانيًا يستطيع الطالب فتحه من هاتفه، ثم اختيار صفه والمادة والدرس الذي يواجه صعوبة

فيه. وبدل أن يقدم له الإجابة مباشرة، يبدأ بشرح الفكرة، ثم يطرح عليه أسئلة وتمارين، ويقوده خطوة خطوة حتى يصل إلى

الحل بنفسه.

لا يلزم أن يبدأ مثل هذا المشروع بكل المواد والمراحل الدراسية. يمكن البدء بمادة واحدة مثل الرياضيات، وعلى نطاق صغير،

ثم قياس فائدته للطلاب وتطويره تدريجيًا. والأهم أن يُبنى من البداية بما يناسب الواقع اليمني، لا على افتراض أن كل طالب

يمتلك جهازًا حديثًا واتصالًا سريعًا بالإنترنت.

وهنا نصل إلى تحدٍّ لا يمكن تجاهله: ليس كل طالب يمني يمتلك هاتفًا مناسبًا أو اتصالًا جيدًا بالإنترنت، وليس كل طالب قادرًا

على دفع تكلفة الخدمات الرقمية. وإذا استفاد الطلاب الأكثر قدرة اقتصاديًا فقط من الأدوات الجديدة، فقد يتحول الذكاء

الاصطناعي من وسيلة تساعد على تقليص الفجوة التعليمية إلى عامل يوسعها.

لذلك فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم يجب أن يصاحبه حديث عن إتاحة المعرفة، والمحتوى المجاني، والحلول

منخفضة التكلفة، والوصول إلى الطلاب الأكثر احتياجًا.

لن ينقذ الذكاء الاصطناعي التعليم في اليمن بمفرده، ولن يكون بديلًا عن المدرسة أو المعلم أو الكتاب، كما أنه لن يعالج الأسباب

الاقتصادية والاجتماعية التي تحرم كثيرًا من الأطفال من التعليم. لكن ذلك لا يقلل من قيمة الفرصة الموجودة أمامنا اليوم.

لدينا جيل يواجه ظروفًا تعليمية صعبة، وفي الوقت نفسه يعيش في لحظة تتغير فيها طريقة الوصول إلى المعرفة بسرعة غير

مسبوقة. وبين أن نترك أبناءنا يستخدمون هذه الأدوات عشوائيًا، وبين أن نعلمهم كيف يحولونها إلى وسيلة للتعلم والبحث

والتفكير، توجد مساحة نستطيع العمل فيها من الآن.

لقد وصل الذكاء الاصطناعي بالفعل، والسؤال لم يعد هل سيستخدمه الطالب اليمني أم لا.

السؤال الأهم هو: هل سنعلمه استخدامه للحصول على الإجابات، أم سنعلمه استخدامه حتى يصبح أكثر قدرة على التفكير

والوصول إلى الإجابات بنفسه؟