مرة اخرى، يخرج المبعوث الأممي الى اليمن هانس غروندبرغ ليحذر من التصعيد العسكري، ويضع امام اطراف الصراع مسؤولية ضبط النفس وحماية المدنيين والعودة الى المسار السياسي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد اكثر من عقد من الحرب: هل تكفي هذه اللغة لتفسير ما يجري في اليمن؟ وهل ما زال ممكناً التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد نزاع بين اطراف متقابلة تحتاج الى مزيد من الحوار؟
المشكلة أن اليمنيين سمعوا هذه الدعوات مراراً، بينما كانت جماعة الحوثي تستثمر كل هدنة وكل فرصة سياسية في إعادة بناء قوتها العسكرية وتوسيع نفوذها. وخلال السنوات الماضية، لم يتوقف تدفق الدعم الإيراني والخبرات العسكرية اليها، كما لم تتوقف عمليات تطوير الصواريخ والطائرات المسيرة، في الوقت الذي ظل فيه المجتمع الدولي عاجزاً عن انتاج ضغط حقيقي يجبر الجماعة على التخلي عن مشروعها الانقلابي.
والاكثر اثارة للقلق أن الانتهاكات الحوثية لم تعد حوادث استثنائية يمكن تجاوزها ببيانات القلق والادانة. فالاختطاف والاعتقال التعسفي والتعذيب وتجنيد الاطفال وقنص المدنيين وزرع الالغام، فضلاً عن احتجاز موظفين امميين وعاملين في المنظمات الدولية، اصبحت جزءاً من واقع مستمر في مناطق سيطرة الجماعة. ومع ذلك، لم يتمكن مكتب المبعوث الأممي طوال هذه السنوات من تحويل هذا السلوك الى كلفة سياسية حقيقية على الحوثيين.
بل التجربة تقول إن الضغوط الدولية كثيراً ما اتجهت، في اللحظات الحاسمة، نحو الحكومة والقوى المناهضة للانقلاب، بدلاً من توجيهها الى الطرف الرافض للتسوية او الذي يستخدمها لإعادة ترتيب اوراقه. وكانت الحديدة واحدة من اكثر الامثلة وضوحاً على ذلك؛ فقد اوقفت الضغوط الدولية معركة الحديدة في ديسمبر 2018 التي كان يمكن بها تغيير ميزان القوة في حينه، والذي سبقه بأيام اعلان اتفاق ستوكهولم بوعد إنساني وسياسي كبير، لكن النتيجة لم تكن سلاماً، وإنما مساحة جديدة تمكن خلالها الحوثيون من اعادة التموضع وتعزيز قدراتهم.
لذلك، فإن بيان المبعوث الاخير يحتاج الى ما هو اكثر من التحذير من اتساع دائرة القتال. اليمنيون يريدون من الأمم المتحدة أن تنظر الى جذور المشكلة، وأن تميز بوضوح بين من يسعى لاستعادة الدولة ومن يتمسك بمشروع الانقلاب، وأن تتوقف عن إنتاج معادلة مساواة سياسية بين الطرفين لا تعكس حقيقة الصراع، ولا تفرق بين الحكومة الشرعية ومليشيا انقلابية متخادمة مع الخارج، تحمل مشروعاً كهنوتياً سلالياً يستهدف إسقاط الجمهورية واعادة إنتاج نظام ملكي بوجه اكثر قسوة مما كان عليه قبل قيام الجمهورية عام 1962.
اليوم، حين تستعيد القوات المسلحة زمام المبادرة، ينبغي ألا تتحول الدعوات الأممية الى قيد جديد على معركة الردع، ولا الى تكرار لسيناريو ستوكهولم الذي، في نظر منتقديه، قلب دور الأمم المتحدة ومنح الانقلابيين مساحة سياسية لم تكن متاحة لهم قبل الاتفاق.
وبعد سنوات من الإخفاق في الزام الحوثيين بالسلام والافراج عن المختطفين وموظفي الأمم المتحدة، فإن المطلوب من مكتب المبعوث ليس المزيد من البيانات، بل مراجعة المقاربة الأممية للحرب والسلام، وعدم استخدام الدعوة للسلام ذريعةً لتعطيل الردع. فالسلام الحقيقي لا يصنعه تجميد الحرب، وإنما تصنعه موازين قوة تجبر الطرف المتمرد على القبول بالتسوية، والردع العسكري اليوم ليس عقبة امام السلام، بل قد يكون الطريق الذي يجعل السلام ممكناً.