آخر تحديث :الأربعاء-09 سبتمبر 2026-04:15م

من وحي التاريخ: عندما تحوّلت «كلمة الحق» إلى خنجر في ظهر الأمة.!!

الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 - الساعة 03:04 م
منصور بلعيدي


في لحظات التحيّز الفكري والانسداد السياسي، كثيراً ما تُرفع الشعارات البراقة للتغطية على المقاصد الخبيثة، ويُجتزأ النص الديني ليصبح سلاحاً يُسدّد إلى صدر الحق نفسه.


وفي تاريخنا الإسلامي، لا توجد حادثة تجسّد هذا الاختطاف الفكري كما تجسّده تلك اللحظة المفصلية التي خرج فيها «الخوارج» على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رافضين فكرة «التحكيم» بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، ورافعين شعارهم الشهير: «لا حكم إلا لله».

لجأ الخوارج حينها إلى قرية «حروراء» جنوب الكوفة، يتكتلون في عصبية فكرية ضيقة، فارقوا بها جماعة المسلمين.

لكن الإمام علي، بعين العالم وبصيرة القائد، لم يستعجل الحسم العسكري، بل أرسل إليهم حَبْر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، ليقيم عليهم الحجة ويستنقذ من أضلّهم الوهم.

دخل ابن عباس عليهم بأبهى حلة وأجمل منظر، مبادئاً بالسلام، وذكّرهم بمكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: «جئتكم من عند أصحاب رسول الله، وليس فيكم ممن نزل عليهم القرآن أحد». غير أن الخوارج، الذين ضاقت صدورهم بالشكليات قبل الحقائق، عابوا عليه لباسه، فردّ عليهم بيقين العالم المتمكن مستشهداً بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾،

مشيراً إلى أن النبي الكريم كان يلبس أحسن الحلل. بل إن ردّة فعلهم كشفت ضيقهم التاريخي بمرجعية قريش وقادتها، حين قال بعضهم: «لا تجادلوا قرشياً إنهم قوم خصيمون».

وعندما وضعهم ابن عباس أمام السؤال المحوري: «ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله؟»، لخصوا مآخذهم في ثلاث قضايا كشفت عن السطحية المقيتة في فهم المقاصد:

*أنه حكّم الرجال في دين الله* والله يقول ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.

*أنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم* فإن كان أعداؤه مؤمنين فما حلّ قتالهم، وإن كانوا كفاراً فقد حلّ سبيهم.

*أنه محا عن نفسه لقب «أمير المؤمنين» أثناء كتابة وثيقة التحكيم.*

وهنا، بدأت الملحمة الفكرية التي تجلّت فيها العظمة الفقهية لابن عباس، حيث فكّك حججهم الواهية واحدة تلو الأخرى بكتاب الله وسنة نبيه:

*في تحكيم الرجال:*

بين لهم ابن عباس أن الله تعالى أمر بتحكيم الرجال في أدنى الأمور لحفظ المصالح؛ فقال في صيد الحرم: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وهو صيد قد لا يساوي ربع درهم، كما أمر بالتحكيم في الشقاق بين الزوجين: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾. فكيف يُقبل تحكيم الرجال في حماية بضع امرأة وفي صيد أرنب، ويُحرم في حقن دماء أمة محمد؟!

*في عدم السبي والأسر:*

أراهم حجم المأزق الأخلاقي والديني الذي وقعوا فيه متسائلاً: «أتريدون أن تسْبوا أمكم عائشة رضي الله عنها وتستحلوا منها ما يستحل من غيرها؟!

فإن قلتم نعم فقد كفرتم، وإن قلتم ليست أمنا فقد كفرتم؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾».

*في محو لقب أمير المؤمنين:* أعادهم إلى التاريخ النبوي في صلح الحديبية، عندما رفض سهيل بن عمرو كتابة «محمد رسول الله»، فقال النبي لعلي: «امحها يا علي»، ولما أبت نفس علي محوها، محاها النبي بيده الشريفة.

فهل نُفيت النبوة عن محمد لمجرد محو الاسم من الوثيقة؟!

أمام هذا المنطق الساطع والفهم المقاصدي العميق، بهت الذين كفروا بالحق واستكبروا، وعاد ألفان من أصل ستة آلاف رجل إلى جيش الإمام علي، بعد أن استبان لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفكر المتطرف.

ولكن، رغم هذا الانتصار الفكري، ظل بقية الخوارج يعزفون على نغمة ﴿لا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ﴾، فلما بلغت كلمتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال جملته الخالدة التي أصبحت مَثَلاً عبر التاريخ:

«كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ!»


إنها الجملة التي تختصر جينوم التضليل الفكري عبر العصور؛ فالآية القرآنية حقيقة لا مراء فيها، لكن التوظيف المغرض لها كان يهدف إلى شق الصف، وتكفير الجماعة، والخروج على السلطة الشرعية.

تظل هذه الوقعة التاريخية درساً حيّاً لكل زمان ومكان: إن النصوص الشريفة والحقائق الصادقة عندما تُنزع من سياقها المقاصدي، وتُدار بأيدي أصحاب الأهواء والغلو، تتحول إلى أدوات وهدم وقتل، ولن يحمي الأمة من هذا العبث إلا الفقه الراسخ، والحوار الشجاع، والقدرة على تمييز "الحق" من "الباطل الذي يتستر برداء الحق".