بقلم : مسعدة سيف
بابتسامة جميلة وخطوات واثقة قابلتنا الدكتورة ميعاد محمد بايوسف اخصائية الجراحة العامة في مستشفى المنصورة في عدن .
لوهلة لا يخطر في بالك ان خلف هذه الابتسامة والهدوء الطاغي توجد امرأة يمنية قوية تمضي اغلب ساعات يومها في غرفة العمليات بين مقصات الجراحة وابر التخدير، هي واحدة من خمس طبيبات اخريات يعملن في مستشفى المنصورة. انهن بلا شك مثالٌ يحتذى للنساء اليمنيات القويات اللواتي اخترن مهنةً صعبة ظلت لفترة طويلة ينظر اليها انها حصرية للرجال فقط.
قابلنا الدكتورة ميعاد خلال ورشة جراحات الحروب التي نظمتها اللجنة الدولية للصليب الاحمر لاكثر من 30 طبيباً وجراحاً من المحافظات الجنوبية في جيبوتي اوائل شهر مايو الحالي. هدفت الورشة التي استمرت لثلاثة ايام وحاضر فيها اثنان من اكبر وامهر جراحي اللجنة الدولية الى رفع كفاءة الطواقم الطبية وتعزيز مهاراتها في التعامل مع الاصابات المختلفة التي تصل الى المستشفيات وغرف الطوارئ وخصوصاً ان النزاع المسلح الاخير قد خلف آلاف الجرحى والقتلى.
" الحرب قتلت الانسانية ، وان بقي هناك بصيص منها فهي تتمثل فيما نقوم به كل يوم من علاج الجرحى والمرضى في المستشفى . اذا توقفت خدماتنا ستتوقفت الحياة " بهذه الكلمات بادرتنا الدكتورة ميعاد والتي عملت في عدة مستشفيات عامة وخاصة قبل ان ينتهي بها المطاف في مستشفى المنصورة في عدن قبل حوالي السنة.
د.ميعاد تعمل يومياً في المستشفى وتجري عمليات جراحية لعشرات المرضى شهرياً والذين ازدادت اعدادهم باضطراد منذ بداية النزاع المسلح في اليمن في مارس من عام 2015.
" اكبر تحدي كان ولا زال يواجهني احياناً هو الاعداد الكبيرة من الجرحى التي تصل الى غرفة الطوارئ دفعة واحدة نتيجة الانفجارات والقتال مما يلزمك ان تعمل باقصى فعالية من اجل انقاذ اكبر عدد ممكن من الارواح ، اضف الى ذلك اننا نعمل تحت ضغط نفسي كبير بسبب توافد اعداد هائلة من عائلات الجرحى واحياناً المسلحين داخل المستشفى مما يشكل خطراً علينا ، باختصار نحن نعمل تحت النار "
لقلة الامكانيات ومحدوديتها احياناً فان الدكتورة ميعاد وزملاءها مضطرون للتاقلم مع الموارد المتاحة من اجل انقاذ الحياة.
" ما يميز مستشفى المنصورة انه وبفضل دعم اللجنة الدولية للصليب الاحمر فاننا نقدم كل العلاجات مجاناً و للجميع سواء أكانوا مصابي حرب ام مرضى وهذا يترك اثراً طيباً على المرضى ويشكل حافزاً لنا كطاقم ان نستشعر الشكر والتقدير في عيون من عالجناهم وعائلاتهم"
بدأت اللجنة الدولية للصليب الاحمر دعم مستشفى المنصورة في يونيو من عام 2015 حيث تقدم بشكل مستمر مستلزمات طبية وجراحية ومكافآت مالية للطاقم العامل وتدريبهم بالاضافة الى طعام للمرضى الموجودين. اكثر من 12000 مريض تم علاجهم في غرفة الطوارئ بالمستشفى وفي الاقسام الداخلية والعيادات. حيث تم اجراء عمليات جراحية كبرى لمئات المرضى.
بالاضافة الى مستشفى المنصورة قدمت اللجنة الدولية تبرعات شهرية من أدوية ومستلزمات طبية وجراحية لثلاثة مستشفيات، بما في ذلك مستشفى خليفة ومستشفى الصداقة بعدن ومستشفى الرازي بابين. وكذلك قدمت المستلزمات الطبية والأدوية الشهرية لخمسة مراكز من مراكز الرعاية الصحية الاولية في ابين (باتيس وشقرة) والضالع (مركز الحسين والجليلة والضبيات) .
الكثير من المواقف المفجعة والحزينة لا زالت عالقة في ذاكرة د.ميعاد في خلال عملها اليومي ولكن اكثر ما حفر في ذاكرتها منظر الام التي هرعت الى المستشفى بعد حدوث تفجير لكي تتعرف الى جثة ابنها من ضمن مجموعة كبيرة من الاشلاء المنثورة في ساحة المستشفى وما ان تعرفت الام الى ابنها من خلال قميصه حتى صرخت صرخة شقت عنان السماء وحفرت في قلب ميعاد أسى لن يزول. " لن انسى هذه الام ،استرجع صورتها في ذاكرتي كل يوم ، هي واحدة من آلاف الامهات اللواتي فقدن ابناءهن في الحرب"
" كيف انظر للمستقبل؟ قد يبدو سؤالاً كوميدياً في ظل ما نمر به في اليمن حالياً ولكن حلمي يوماً ما ان اتمكن من السفر واكمال تخصصي في الجراحة" ودعتنا الدكتورة ميعاد ملوحة بيدها قائلة " التفاؤل هو المفتاح ، بدونه لن نستطيع مواصلة الحياة ، وانا مهنتي انقاذ الحياة".