آخر تحديث :الإثنين-05 يناير 2026-01:12ص
إقتصاد وتكنلوجيا

كيف توازن السعودية بين الإنفاق التوسعي والاستقرار المالي في خطة الاقتراض لـ2026؟

الأحد - 04 يناير 2026 - 11:43 ص بتوقيت عدن
كيف توازن السعودية بين الإنفاق التوسعي والاستقرار المالي في خطة الاقتراض لـ2026؟
عدن الغد- متابعات

في خطوة تعكس نضج السياسات المالية السعودية وقدرتها على التكيف مع طموحات «رؤية 2030»، أعلنت السعودية عن خطة الاقتراض السنوية لعام 2026. وتأتي هذه الخطة كحلقة وصل استراتيجية توازن بين تمويل المشروعات التوسعية الكبرى وبين الحفاظ على ملاءتها الائتمانية، مدعومة بقفزة نوعية في تصنيفات الوكالات الدولية التي رفعت سقف الثقة في الاقتصاد السعودي.

وفقاً للبيان الرسمي للخطة التي نشرها المركز الوطني لإدارة الدين التابع لوزارة المالية، تقدر المملكة إجمالي احتياجاتها التمويلية لعام 2026، بـ217 مليار دولار (57.87 مليار دولار). وتتوزع هذه الاحتياجات لتغطية عجز الموازنة المتوقع والبالغ 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، بالإضافة إلى سداد مستحقات أصل الدين التي تصل إلى 52 مليار ريال (13.87 مليار دولار).

وتكشف قراءة هذه الأرقام عن تحول استراتيجي ومدروس في حجم المتطلبات المالية عند مقارنتها بخطة العام السابق؛ فبينما كانت الاحتياجات التمويلية لعام 2025 تقف عند عتبة 139 مليار ريال (37.06 مليار دولار)، نجدها قد قفزت في مستهدفات عام 2026 بنسبة تصل إلى 56 في المائة. ويعزى هذا النمو بشكل جوهري إلى تسارع وتيرة الإنفاق الرأسمالي على المشروعات التنموية الكبرى.

وعلى الرغم من ارتفاع القيمة الاسمية للعجز مقارنة بعام 2025، فإن الخطة تكشف عن تفوق استراتيجي في إدارة الاقتصاد الكلي؛ إذ تشير التقديرات إلى انخفاض نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 مقارنة بالعام الذي سبقه إلى 3.3 في المائة من 5.3 في المائة.

ويأتي هذا الانخفاض مدفوعاً بنمو قياسي متوقع في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، الذي يُقدر أن يقفز من 4352 مليار ريال (1160 مليار دولار) في عام 2025 ليصل إلى نحو 4965 مليار ريال (1324 مليار دولار) في عام 2026. هذا التوسع في حجم الاقتصاد يقلص الأثر النسبي للعجز، مما يعزز الاستدامة المالية ويؤكد أن الإنفاق الحكومي يولد نمواً اقتصادياً يفوق وتيرة الاقتراض.

وقد نجح المركز الوطني لإدارة الدين التابع لوزارة المالية بالفعل في تأمين 61 مليار ريال (16.27 مليار دولار) من هذه الاحتياجات بشكل استباقي خلال عام 2025، مما يعزز من مرونة الحكومة في التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.

هيكل محفظة الدين: «متحفظ ومرن»

بنهاية عام 2025، بلغت محفظة الدين العام القائم 1519 مليار ريال (405 مليارات دولار)، ما يمثل 33 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتظهر الأرقام نهجاً متحفظاً في إدارة المخاطر، حيث إن 87 في المائة من هذا الدين يعتمد على أسعار فائدة ثابتة للحماية من تقلبات تكلفة الاقتراض عالمياً. كما يبلغ متوسط أجل استحقاق المحفظة 9 سنوات، مع تكلفة تمويل بلغت 3.79 في المائة.

رؤية 2026: تنويع الأسواق والتمويل الأخضر

تعتمد استراتيجية 2026 على ثلاثة روافد رئيسية للتمويل، حيث تتجه بوصلة عام 2026 نحو تعميق الاستفادة من قنوات «السوق الخاصة»:

سوق الدين المحلي: يستهدف المركز أن يمثل ما بين 25 في المائة إلى 35 في المائة من التمويل عبر إصدارات الصكوك بالريال.

الأسواق الدولية: تستهدف نسبة تتراوح بين 20 في المائة إلى 30 في المائة، مع تركيز خاص على الإصدارات المقوَّمة بالدولار الأميركي.

الأسواق الخاصة: وهي الركيزة الأكبر التي قد تصل إلى 50 في المائة، وتشمل القروض المشتركة وتسهيلات وكالات ائتمان الصادرات (ECA).

توقعات اقتصادية متفائلة

تتوقع الخطة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.6 في المائة في عام 2026، مدفوعاً بنمو الأنشطة غير النفطية والدور القيادي للقطاع الخاص. كما يُقدر أن يصل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى نحو 1324 مليار دولار في العام ذاته، مما يعكس الأثر الإيجابي للإصلاحات الهيكلية والمشاريع الكبرى.

إنجازات استباقية وتطوير للسوق

لم تكتفِ المملكة بالاقتراض التقليدي، بل نفذ المركز عمليات «إعادة شراء مبكر» في عام 2025 بقيمة 16 مليار دولار (60 مليار ريال) لتقليل مخاطر إعادة التمويل وتمديد آجال الاستحقاق حتى عام 2040. كما دخلت المملكة بقوة في سوق التمويل المستدام عبر إصدار سندات خضراء مقومة باليورو، مما أسهم في توسيع قاعدة المستثمرين الدوليين المهتمين بعوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية.

بهذه الأرقام والتوجهات، تؤكد السعودية أنها لا تدير ديونها فحسب، بل تبني «سوق دين» عميقاً وسيلاً، قادراً على تمويل التحول الاقتصادي الأضخم في المنطقة مع الحفاظ على أعلى معايير الشفافية والملاءة الائتمانية.