آخر تحديث :الأحد-11 يناير 2026-01:34ص
أدب وثقافة

وأمطرت نارا (قصة)

السبت - 10 يناير 2026 - 05:36 م بتوقيت عدن
وأمطرت نارا (قصة)
بقلم / عصام مريسي

كل شيء يلازمه السكون ويحتويه الصمت وتلفه السكينة الحذرة إلا البحر يرسل أمواجه تترا هادرة تكسر حاجز الصمت لايبالي بما يختبي من مجهول في الأفق يعانق زبد الموج القارب الصغير تارة يرفعه ويقذفه بعيدا عن مسارة وأخرى يغوص به بين ثنايا الموج يمرغ الزبد أرضية القارب القديم ليسارع الصياد يغترف مايستطيع من سائل الزبد خارج قاربه بكفيه الضخمتين السمراوتين المتعرقة .

يقف الصياد بقامته الباسقة متوسطا قاربه الخشبي العتيف وخرير ماكنته تقرقر ودخانها يتصاعد ليرسم هالة رمادية تجعل القارب وكأنه معلق في حضن سحابة طائرة في الأفق الرحيب وهو يجمع شباكه ليرميها في عرصات الماء الهائج متمتما بأذكار وأيات تهيء له الرزق:

باسم الله

عليك ياالله يارازق

ثم يشرع في ترديد أهازيج الصيد لتنسيه وحدته في عرض البحر الشاسع العميق :

قال الحميد ود منصور ......... ياماطري عند كناني

امنت من حيث خوفي................ وهتشت من حيث ماني

ثم يستمر في ترديد الشيلات البحرية

هيل لقديم هيل لقديم قال الحميد ود منصور هيل القديم

وكأنه يدعو الأسماك إلى شباكه فيتسابق الصيد نحو الشباك وكلما أحس بحركة شباكه استبشر وراح يسحب الشباك وقد ارتسمت الفرحة على قسمات وجهه الأسمر واتسعت حذقة عينيه وهو ينظر نحو الأفق والشمس تزف من جوانبه في أبهى حلة وكأنها عروس في موكب زفافها نحو مدينته الحالمة المستلقية في حضن البحر الشاسع والمستظلة بشاهق المرتفعات والجبال ودورها الطينية المطلية بالنورة لتضفي على مشهد البحر والجبال مزيدا من الروعة والجمال وقوارب الصيد التي لم تغادر الشاطئ تزينه كأنها حبات من مرجان متناثر على شريطها الساحلي ومن حولها فرسانها السمر يحيطونها بالعناية وإصلاح أعطابها حتى تكون جاهزة لخوض عباب البحر والمحيط لتعود مع باقي القوارب والصواري يالخير الوفير.

أوشك أن يصل إلى مدينته الساحلية وهو يستعد لأنزال ما حواه صنبوقه من رزق وفير إلى سوقها ثم ينطلق نحو داره القريب من الشاطئ والسرور والبهجة تغازل فؤاده لكن تم شيء على غير العادة تحلق في فضاء المدينة وبالقرب من ميناؤها العتيق مجنحات تحوم حول المكان وتنطلق صفارات الإنذار وكانها أبواق تنذر بقرب معركة وشيكة.

مازال يرسل بصره نحو مدينته المكسوة بزهوة اللون الأبيض الذي يجصص جرانها الطينية عله يرى نساء المدينة وفيهن زوجته التي لم يتسنى له توديعها قبل خروجه ليركب عباب البحر العميق وهم يستقبلن قوارب الصيد ويؤدون التحية للصيادين العائدين بالخير وهم يرددن شيلات الترحيب:,,

جليب يا مجلب. جلب يالله مع الصاري

والأطفال يرددون أهازيج تعبر عن فرحتهم بقدوم أباؤهم من رحلة الصيد وعودتهم بعد أيام من الغياب ومعهم الخير الوفير وهم يتهيؤن للمساعدة في إنزال حمولة القوارب من الصيد ثم المشاركة في تنظيفها وصيانة مالحق بها من الأضرار :

جيت ياطير بالخير جيت ياطير بالخير

الحذر يجوب الساحل ولا أثر لاحد على ضفته غير بعض السفن الراسية تنزل حمولتها أو تستعد للمغادرة تاركة الميناء التي تحوم حوله الأخطار حتى القوارب التي كادت تصل الشط عادت مسرعة نحو المياه العميقة قبل أن تفرغ حمولتها من الأسماك التي تمتلئ بها الثلاجات المحفوظة في خنها وهي تطلق صفارات الإنذار معلنة على كل القوارب الإبتعاد عن شواطئ الميناء.

توقف محرك قاربه عن الحركة وكلما حاول تشغيله لايستجيب المحرك لاوامر التحريك نهض الصياد من مكانه وأتخذ قراره بترك القارب والقفز نحو الأعماق وفي مخيلته ترتسم ذكريات سالفة عن عودته بحمولة خير من أسماك بحر مدينته الغني من الثمد واللخم (التونة والقرش) وقد أكتظ قاربه الصغير هذه المرة بحوت القرش الذي كان ينوي تجفيفه ليبتاع منه خلال موسم الرياح عندما لن يكون قادرا على إرتياد عمق البحر (الصيد المالح)

اشتعلت السماء واحتجبت إشراقة الشمس المضيئة خلف كتل السحب الدخانية وشرار القنبل والصواريخ المتساقطة على سفن كانت ترسو في شواطئ الميناء وماتصاعد منها من حرائق التهمت كل شئ كان واقفا على الساحل.

مازال ينزل إلى أعماق بعيدة أثر تساقظ القذائف على البحر وكلما شعر بحاجته للتنفس أرتفع سريعا كأنه حوت دلفين يؤدي عرض كرنفالي وعينيه تطير نحو بيته القريب من الشاطئ علها تلحظ زوجته وأولاده كي يطمئن عليهم فلا يرى غير الحرائق تلتهم أجزاء من الميناء وسيارات إسعاف تهرع إلى المكان و أجراس شاحنات الإطفاء تملأ المكان ضجيج و ضوضأ وقلبه ينتفض وهو يعود نحو قاربه ليمتطيه ويعود به إلى الشاطئ مستخدما المجاذيف بعد أن توقف المحرك العتيق عن الحركة وصوت زوجته يدغدغ أدنيه:

الحمد لله على سلامتك

وصغاره حوله يطلبون عطاياه:

إيش جبت لنا يابوي

وأصغر أولاده يطلب هديته:

جبت لي الحلوى

يقترب بالقارب من ساحل المدينة لكن هذه المرة على غير العادة فكل الرزق الوفير فسد بعد أن أمطرت السماء نارا على المدينة الأمنة واشتعال السفن التي خزنت في بطنها الموت والدمار واختلطت النوايا وتغشاها المجهول وسادت الفوضى

وما أن اقتربت من الساحل قوارب الصيد حتى أجتمع نساء المدينة وصبيانها وهم يرددون ويشلون الشيلات:

ياقريب الفرج. فرج على من ضاف حاله

ياقريب الفرج. الكل ساهن رجاله

جلبوا واحتروا. وادعوا لهم بالسهالة

فتعود الفرحة إلى نفوس الصيادين رغم خسارة أرزاقهم التي تلفت وهم يعانقون أهاليهم الذين استعدوا لأستقبالهم بعد اشتعال سماء المدينة المستودعة حضن البحر المستلقية على اكناف الجبال.

عصام مريسي