تدخل الحكومة الشرعية اليوم لحظة نادرة في تاريخها الحديث: لحظة تمتلك فيها فرصة فعلية لإعادة الإمساك بالمشهد السياسي والأمني في جنوب اليمن بعيدًا عن هيمنة المجلس الانتقالي، بعدما كانت لسنوات تتحرك داخل “هامش” ضيق تحدده موازين القوة على الأرض والتفاهمات الإقليمية وتوازنات الفصائل. هذه الفرصة ليست انتصارًا مضمونًا، وليست شيكًا على بياض، بل اختبارًا قاسيًا. الجنوب، وخاصة عدن، لن يمنح الشرعية مجددًا لمجرد أنها “الشرعية”، بل سيحاسبها وفق معيار واحد واضح: القدرة على تحويل السلطة من شعار إلى دولة، ومن حضور رمزي إلى إدارة يومية تُحسن الخدمات، وتوقف الجبايات، وتعيد انتظام الرواتب، وتفرض القانون دون أن تتحول إلى انتقام أو فوضى.
الشرعية في هذه المرحلة ستدير المشهد من بوابتين متداخلتين: بوابة الأمن وبوابة الخدمات. الأمن هنا ليس ترفًا سياسيًا ولا مجرد انتشار قوات، بل شرط بقاء للدولة نفسها. أي ارتباك في ضبط المؤسسات الحساسة مثل المطار والموانئ والمعسكرات سيترجم فورًا إلى انهيار في الثقة وتفلت في السلاح وعودة اقتصاد الفوضى. الحكومة تحتاج أن تثبت أنها قادرة على فرض “أمن مؤسسي” لا أمن مليشياوي، أمن قائم على سلسلة قيادة واضحة، وأوامر مكتوبة، ومحاسبة، وتنسيق بين الأجهزة، لا على ولاءات متنافسة. إن لم تستطع الحكومة أن تصنع غرفة قيادة أمنية حقيقية في عدن، فإنها ستسقط في أول امتحان حتى لو امتلكت قوات أكثر من أي طرف آخر، لأن المشكلة في الجنوب لم تكن يومًا نقصًا في السلاح، بل غيابًا في الدولة.
لكن الأمن وحده لا يصنع شرعية طويلة. التجربة المريرة في عدن تقول إن الناس يمكن أن تتحمل انقطاع السياسة، لكنها لا تتحمل انقطاع الكهرباء والماء والرواتب. لذلك فإن نجاح الشرعية في هذه اللحظة يعتمد على قدرتها على تقديم “صدمة خدمات” سريعة، حتى لو كانت محدودة في البداية. ليس المطلوب أن تحل كل الأزمات في أيام، لكن المطلوب أن يلمس المواطن أن هناك تغييرًا حقيقيًا: ساعات كهرباء أكثر، انتظام نسبي في المياه، تخفيف عبء المواصلات والوقود، ضبط أسعار عبر رقابة فعلية، والأهم انتظام صرف الرواتب أو على الأقل وضع جدول معلن وشفاف لصرفها. بدون ذلك، ستتحول عودة الشرعية إلى مجرد تبديل لافتة فوق ذات الفشل، وسيفتح ذلك الباب أمام حنين شعبي لأي قوة تتعهد “بالأمن والخدمات” حتى لو كانت خارج الدولة.
المعضلة الكبرى أمام الحكومة الشرعية أنها مطالبة بإدارة نفسها قبل أن تدير الجنوب. الدولة اليمنية اليوم ليست جهازًا متماسكًا، بل شبكة متنازعة داخلها مراكز قرار متعددة، وكل مركز يحمي مصالحه. من أبرز أسباب فشل الشرعية سابقًا أنها لم تكن حكومة واحدة بقرار واحد، بل حكومات داخل الحكومة، ومؤسسات تعمل بمعزل عن بعضها، وأجهزة أمنية وعسكرية تتلقى أوامر متعارضة. إذا استمرت هذه الحالة، فإن أي محاولة لإدارة الجنوب ستصطدم بحقيقة مؤلمة: لا يمكنك فرض دولة على أرض مضطربة وأنت تفتقد دولة داخل مؤسساتك.
أكبر معوق في طريق الشرعية هو “اقتصاد الدولة الموازية” الذي ترسخ خلال سنوات: جبايات، إيرادات خارج البنك المركزي، منافذ تُدار بمنطق شبكات، شركات ووسطاء، عقود ومخصصات غير شفافة. حتى إن تراجع الانتقالي، فإن بنية الاقتصاد الموازي لا تختفي تلقائيًا، بل قد تنتقل إلى أطراف أخرى أو تتخفى تحت أسماء جديدة. لذلك فإن الامتحان الحقيقي للحكومة ليس فقط أن تُسقط خصمًا سياسيًا، بل أن تُسقط نموذج الجباية والفوضى. أي تساهل في هذا الملف سيعني أن الشرعية لم تفهم الدرس، وأنها ستعيد إنتاج أسباب السقوط نفسها ولكن تحت عباءة الدولة.
هناك معوق آخر لا يقل خطورة: الثقة الشعبية شبه المنعدمة. المواطن في عدن والمحافظات الجنوبية عاش سنوات من الوعود الكاذبة. سمع خطابات عن الإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات، ثم رأى العكس: انهيار كهرباء، تدهور عملة، توقف رواتب، فساد في المشتقات، وتفكك مؤسسات. لذا فإن الشرعية ستُواجه شعورًا عامًا بأن “الجميع سواء” وأن أي سلطة جديدة ستنهب مثل السابقة. كسر هذا الشعور يحتاج إلى قرارات قاسية وسريعة تخلق رمزية جديدة: إجراءات شفافة، إقالات لمسؤولين فاسدين، نشر أرقام الإيرادات، ضبط المنافذ، وتقديم ملفات للمحاسبة. بدون ذلك سيبقى الناس في موقف المتفرج الغاضب، وسيتحول الغضب إلى رفض سياسي عند أول أزمة.
معضلة الشرعية الثالثة تتمثل في إدارة التحالفات الداخلية. الجنوب ليس كتلة واحدة، ولا يمكن إدارته بعقلية “غلبة المنتصر”. كثير من القوى التي اختلفت مع الانتقالي أو تضررت منه لا تريد أن تُستبدل غلبة بغلبة. إذا حاولت الشرعية إقصاء أي طرف أو شيطنته، فإنها ستخلق خصمًا جديدًا، وربما أشد شراسة، لأن خصوم اليوم يمتلكون خبرة السنوات الماضية وشبكات مصالح وسلاحًا. الشرعية تحتاج أن تُدير السياسة بمنطق “إدماج” لا بمنطق “استبعاد”، وأن تفتح باب المشاركة، وأن تضع قواعد واضحة: لا سلاح خارج الدولة، لا جبايات خارج القانون، لا احتكار تمثيل، وفي المقابل لا انتقام ولا إقصاء.
على المستوى الإقليمي، الشرعية ستظل مرتبطة بمعادلة الدعم الخارجي، لكن المختلف هذه المرة أن الإقليم نفسه يريد نتائج ملموسة لا صراعات. أي فشل حكومي في ضبط الجنوب قد يدفع الأطراف الإقليمية إلى البحث عن بدائل محلية أو إعادة تدوير قوى سابقة. لذلك فإن الشرعية تحتاج أن تثبت سريعًا أنها ليست مجرد طرف سياسي، بل إطار دولة يمكن الاعتماد عليه. هذا يتطلب خطابًا سياسيًا واقعيًا يقلل الاستفزاز، وإدارة أمنية تمنع الانفلات، وسياسات مالية تضع الإيرادات في مسار واضح، لأن الإقليم يقيس نجاح الحكومة بقدرتها على ضبط الأرض وتخفيف الكلفة، لا بقدرتها على إنتاج خطابات.
هل تنجح الشرعية؟ النجاح ممكن لكنه ليس تلقائيًا. الشرعية يمكن أن تنجح إذا فهمت أن “الفرصة” ليست إسقاط خصم بل بناء نموذج حكم. أولى خطوات النجاح هي توحيد مركز القرار في عدن: غرفة عمليات أمنية واحدة، ومحافظ فعلي بصلاحيات، ووزراء موجودون في الميدان، ومؤسسات تعمل يوميًا لا موسميًا. ثانيها: استعادة الإيرادات إلى البنك المركزي وإغلاق منافذ الجبايات العشوائية وربط أي إنفاق بموازنات شفافة. ثالثها: إعلان خطة خدمات عاجلة قابلة للقياس، تتضمن أرقامًا وجداول زمنية، لا وعودًا عامة. رابعها: بدء مسار محاسبة حقيقي يطال مسؤولين نافذين، لأن الناس لن تصدق الإصلاح ما لم ترَ كلفة على الفساد. خامسها: فتح مسار سياسي جنوبي واسع لا يحتكر التمثيل، ويمنح القوى المختلفة مساحة في إدارة المرحلة، مع ضمانات تمنع عودة منطق المليشيا.
أما الفشل، فسيأتي إذا اكتفت الشرعية بتبديل القوى على الأرض دون إصلاح داخلها، أو إذا دخلت عدن بعقلية المنتصر واستبدلت غلبة بغلبة، أو إذا عجزت عن وقف الاقتصاد الموازي، أو إذا واصلت إدارة الدولة كحصص ومناصب. في هذه الحالة، لن يسقط الجنوب في يد طرف واحد، بل سيقع في فوضى متعددة، وسيصبح كل طرف “انتقاليًا” جديدًا باسم مختلف، بينما المواطن يدفع الثمن.
الجنوب اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن دولة. والحكومة الشرعية تقف أمام سؤال مصيري: هل تستطيع أن تتحول من شرعية سياسية إلى شرعية حكم؟ إن فعلت، ستصنع لحظة تأسيس جديدة وقد تستعيد ثقة اليمنيين تدريجيًا. وإن فشلت، فإن ما بعد الانتقالي لن يكون بداية استقرار، بل بداية دورة سقوط جديدة، ربما أسرع وأقسى، لأن الناس هذه المرة لن تمنح أي أحد رفاهية التجربة الطويلة.