قال السياسي والباحث الجيوإستراتيجي أوسان بن سدة إن الإحاطة الأخيرة التي قدّمها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن عكست تحولًا في مقاربة الأمم المتحدة للمرحلة الراهنة، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الجنوبية، مشيرًا إلى أنها تجاوزت إطار التحديث الروتيني للمسار السياسي.
وأوضح بن سدة أن لغة الإحاطة أظهرت انتقالًا من إدارة عملية سياسية مؤجلة إلى توصيف مرحلة حساسة، مع دعوة إلى تغليب المسار السياسي على الخيارات العسكرية، في ظل إدراك أممي بأن الأطر التقليدية لم تعد قادرة على استيعاب التطورات المتسارعة على الأرض.
وأشار إلى أن حديث غروندبرغ عن “تنوع الرؤى الجنوبية” يحمل دلالة سياسية تتجاوز مسألة التمثيل، ويعكس اعترافًا بأن القضية الجنوبية لم تعد قابلة للإدارة عبر ترتيبات إدارية أو أمنية، لافتًا إلى أن طرح الحوار الجنوبي جاء بوصفه مسارًا لإدارة التباينات الداخلية، وليس لإنتاج حلول جاهزة أو فرض نتائج مسبقة.
وأضاف أن تأكيد المبعوث الأممي على أن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُفرض بالقوة يمثل موقفًا سياسيًا يحدّ من أي ترتيبات فوقية، وينقل القضية الجنوبية من خانة الملف المؤجل إلى قضية سياسية مفتوحة تتطلب مسارًا تفاوضيًا شاملًا.
وفي الجانب الاقتصادي، أشار بن سدة إلى أن الإحاطة ربطت هشاشة العملة واستنزاف قدرة الأسر اليمنية بأي اضطراب سياسي أو أمني، معتبرًا أن ذلك يعكس تحولًا في منطق المقاربة الأممية، حيث بات الاستقرار الاقتصادي مرتبطًا بالتوافق السياسي أكثر من ارتباطه بتوفر الموارد.
ولفت إلى أن غياب التطرق التفصيلي لـ“خارطة الطريق” أو تحديد جدول زمني لتنفيذها يشير إلى مرحلة إعادة تقييم، في ظل متغيرات سياسية جديدة، وفي مقدمتها تطورات المشهد الجنوبي.
كما أكد أن غروندبرغ شدد على أهمية وجود دعم إقليمي موحد ومنسق لأي حلول مستدامة، معتبرًا أن هذه الإشارة تعكس رفضًا ضمنيًا للانفراد الإقليمي بإدارة الملفات اليمنية، في ظل ما وصفه بتناقض الأجندات الإقليمية.
واختتم بن سدة بالقول إن تحميل المسؤولية لكافة الأطراف يعكس توجّهًا أمميًا لرفع الغطاء السياسي عن فرض الأمر الواقع، مؤكدًا أن إحاطة غروندبرغ، رغم عدم تقديمها حلولًا جاهزة، فتحت نافذة سياسية جديدة تقوم على الشرعية الداخلية والحوار السياسي المنظم.